كتابنا

علاء عبدالله يكتب: نظرية الدولة في فكر علي محمد الشرفاء.. الإنسان أولًا وبناء المجتمع قبل بناء السلطة

طرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “نظرية الدولة وفق التشريع الإلهي في القرآن المجيد” رؤية فكرية تنطلق من أن إصلاح الدولة لا يبدأ من مؤسسات الحكم أو القوانين وحدها، وإنما من إصلاح الإنسان نفسه باعتباره اللبنة الأولى في تكوين المجتمع، ويؤكد أن المنهج القرآني يجعل بناء الفرد أخلاقيًا وسلوكيًا هو الأساس الذي تبنى عليه المجتمعات والدول، انطلاقًا من القاعدة التي يلخصها بقوله: “إذا صلح الفرد صلح المجتمع”.

ويستعرض الكاتب فلسفته في تأسيس الدولة وفق التشريع الإلهي، موضحًا أن القرآن الكريم وضع منهجًا متكاملًا لتربية الإنسان على منظومة من القيم الرفيعة وفي مقدمتها الرحمة، العدل، الإحسان، المساواة، التسامح، احترام حقوق الإنسان، الصدق، وطالأمانة، والتعاون على البر والتقوى، مع نبذ الظلم والعدوان وسوء الظن، وإعطاء كل ذي حق حقه، ويرى أن هذه المبادئ ليست مجرد فضائل أخلاقية وإنما تمثل الأساس الحقيقي لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والتقدم.

ويؤكد الشرفاء أن نجاح أي قيادة يرتبط بقدرتها على غرس هذه القيم في مختلف مؤسسات المجتمع، بدءًا من الأسرة مرورًا بالمدرسة والجامعة ووصولًا إلى مواقع العمل والمؤسسات العامة، بحيث تصبح الأخلاق القرآنية جزءًا من السلوك اليومي للأفراد في علاقاتهم الاجتماعية والوظيفية والإنسانية، ومن وجهة نظره، فإن المجتمع الذي يتشبع أفراده بهذه القيم يمتلك القدرة على إنتاج قيادات تتحمل المسؤولية بإخلاص وتعمل لخدمة أوطانها بعيدًا عن المصالح الشخصية.

ويرى الكاتب أن الدولة التي تعتمد في دستورها ومنهجها على القيم القرآنية تصبح أكثر قدرة على تحقيق التماسك الاجتماعي، لأن أفرادها يجتمعون على منظومة أخلاقية واحدة بعيدًا عن الانقسامات والصراعات الحزبية والفئوية، كما يوضح أن الأخلاق في المنهج الإلهي تأتي قبل كل شيء، وأن العبادات في الإسلام لم تشرع لذاتها فقط، وإنما لتكون وسيلة لتزكية النفس وصناعة الإنسان الصالح الذي ينعكس صلاحه على المجتمع بأكمله.

وفي سياق تحليله للتاريخ الإسلامي، يذهب علي محمد الشرفاء إلى أن محاولات إقامة أنظمة الحكم بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم تحقق النموذج الذي يراه القرآن، مرجعًا ذلك إلى عدم الالتزام الكامل بالتشريعات الإلهية وحكمة العبادات، والابتعاد عن المنهج الأخلاقي الذي دعا إليه القرآن الكريم، ويرى أن هذا الانحراف أدى إلى فشل بناء مجتمع يقوم على الرحمة والعدالة والحرية واحترام الإنسان.

كما يتناول الكاتب قضية الروايات التي يعتبر أنها ساهمت في إبعاد المسلمين عن القرآن الكريم، ويرى أن الانشغال بها أدى إلى الانقسام والاختلاف وظهور الصراعات السياسية والمذهبية التي فرقت الأمة إلى جماعات وأحزاب متناحرة، الأمر الذي انعكس – بحسب رؤيته – على واقع المسلمين، فأدى إلى تراجعهم وفقدانهم لعوامل القوة والوحدة، وتعرض كثير من أوطانهم للاحتلال والاضطرابات والأزمات.

ويشدد المقال على أن القرآن الكريم قدم خارطة طريق واضحة لتحقيق الأمن والاستقرار والكرامة الإنسانية، إلا أن الابتعاد عنها – وفق رؤية الكاتب – كان سببًا رئيسيًا فيما تعيشه الأمة الإسلامية من تحديات، ولذلك يدعو إلى العودة إلى المنهج القرآني باعتباره المرجعية الأساسية لإعادة بناء الإنسان والمجتمع والدولة على أسس أخلاقية وإنسانية راسخة.

ويختتم المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي رؤيته بالتأكيد على أن الفرد يظل نقطة الانطلاق في مشروع الإصلاح، وأن تربية الأجيال على الأخلاق والقيم النبيلة تفتح الطريق أمام قيام مجتمع تسوده الرحمة والعدالة والتكافل، ويخرج منه قادة يعملون بإخلاص لخدمة أوطانهم دون استعلاء أو مصالح ضيقة.

كما يؤكد أهمية التشاور والمصارحة بين جميع مكونات المجتمع في رسم مستقبل التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز قيم المسؤولية المشتركة، ويحقق الحرية والمساواة والعدالة ويجعل الجميع شركاء في بناء وطن آمن ومستقر يقوم على الأمانة والصدق واحترام الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى