بنو هيب السلميون.. سادة برقة بين الثراء والنفوذ وصراعات الصحراء
تعد قبيلة بني هيب بن سليم من القبائل العربية السليمية التي استقرت قديما في مناطق البحيرة ومريوط، ثم امتد وجودها إلى إقليم برقة انطلاقا من حدود الإسكندرية غربا، حتى وصلت مواطنها إلى بئر السدرة بالقرب من مدينة سرت، وقد تفرعت القبيلة إلى عدة بطون وعشائر كان لها حضور بارز في تاريخ برقة وليبيا عموما.
من هم بنو هيب السلميون
ومن أشهر بطون بني هيب بنو أحمد، ويذكر بعض المؤرخين أن من فروعهم بنو حميد المنحدرون من بني شماخ، الذين عرفوا بالثراء والنفوذ نتيجة سيطرتهم على أخصب أراضي برقة، الممتدة من منطقة المرج حتى حدود سرت، وقد حازوا مكانة كبيرة بين بطون بني هيب لما امتلكوه من قوة وعدد وأراض واسعة.
وتشير الروايات إلى أن من بقايا هذه البطون قبائل وعائلات عديدة، من بينها المغاربة أو الجبارنة، والسلالمة، والهنادي، والبهجة، والعونة، إضافة إلى الفواخر والزوية الذين ارتبطوا بتاريخ المنطقة وأحداثها المختلفة، كما جاورتهم قبائل أخرى مثل النجمة، التي اختلفت الروايات حول أصولها بين فزارة وهوارة، إلى جانب بعض بطون مزاتة مثل خويلد، فضلا عن الجوابيص الذين أشار بعض المؤرخين إلى أصول إفريقية لهم.
وذكر المؤرخ ابن خلدون بني أحمد عند حديثه عن قبائل برقة، فقال إنهم كانوا أول من يجاور الغرب من تلك القبائل، وإن مواطنهم كانت في أجدابية وما حولها، كما أشار إلى كثرتهم وقوتهم وهيبتهم بين القبائل، وأرجع نسبهم إلى شماخ بن هيب، كما أكد أن قبائل شماخ كانت صاحبة عز ومنعة داخل بني هيب بسبب سيطرتها على الأراضي الخصبة ومراكز النفوذ في برقة.
وترتبط بعض الروايات التاريخية بظاهرة التعرض لقوافل الحج التي مرت في تلك الديار، حيث يرى بعض الباحثين أن السبب يعود إلى النزاع حول الأموال التي كانت السلطات تدفعها للقبائل مقابل حماية الحجاج وتأمين طرقهم، وقد أدى ذلك إلى توتر العلاقة مع حكام طرابلس الغرب، الذين أرسلوا الحملات العسكرية ضد بعض البطون، مما دفع جماعات منهم إلى الانتقال نحو منطقة العقبتين ومطروح، في الأراضي التي كانت تخضع لنفوذ الكعوب من بني لبيد.
ومع تراجع قوة الكعوب وسقوط نفوذهم في البحيرة وبرقة، شهدت المنطقة موجات من الهجرات والتحركات القبلية، فاتجهت بعض البطون إلى الجيزة وصعيد مصر، بينما انتقلت قبائل وعشائر أخرى كانت ترتبط بهم بروابط الحلف أو الجوار، مثل لواتة وهوارة وزنارة ومزاتة، كما جاورتهم بطون عربية أخرى من خفاجة وبني عقيل وغيرها من القبائل المعروفة في تلك الأنحاء.
وشهدت العلاقة بين بني لبيد وبني شماخ فترات طويلة من المنافسة والصراعات القبلية، خاصة في المناطق التي تمثل مراكز اقتصادية وتجارية مهمة، وكانت واحة أوجلة من أبرز هذه المراكز، إذ شكلت محطة اقتصادية رئيسية في إفريقيا الشمالية، وتعاقبت عليها قوى وزعامات متعددة سعت إلى السيطرة على طرق التجارة والمراكز الحيوية في برقة.
وتشير بعض الروايات إلى أن أول ظهور واضح لقبيلة الهنادي جاء ضمن الجماعات العربية التي غادرت مناطق نفوذ طرابلس الغرب بسبب الصراعات مع الولاة والعمال، ثم تحركت هذه الجماعات شرقا على مراحل متتابعة حتى وصلت إلى طبرق سنة 1661م، قبل أن تنتقل إلى غرب مصر، ثم تستقر لاحقا في مناطق من الشرقية المصرية.
ولا تزال بعض الفروع والعائلات التي تنسب إلى تلك الهجرات موجودة حتى اليوم، مثل البهجة في أجدابية، والفواخر والزوية الذين استمر وجود قسم منهم في برقة، بينما انضم قسم آخر إلى الهنادي خلال المراحل اللاحقة من التحالفات والتنقلات القبلية، كما استقرت جماعات من الفواخر ضمن عائلات الطحاوية الهنادي في مناطق من محافظة البحيرة، خاصة حول حوش عيسى، إلى جانب بني عونة والبهجة.
وتذهب بعض الروايات إلى أن زعامة أولاد أحمد انتقلت في مرحلة من المراحل إلى الهنادي، خاصة بعد تراجع نفوذ بعض بطون أولاد أحمد وخروجها من مناطقها الأصلية، كما تشير المصادر إلى أن بعض الجماعات التي أقامت بين العقبتين مارست التعرض لقوافل الحجاج خلال فترة محدودة، وهو ما ذكرته بعض كتب الرحالة المغاربة عند حديثها عن أحوال الطريق الصحراوي في تلك الأزمنة.
ويبقى تاريخ بني هيب وبطونهم المختلفة جزءا مهما من تاريخ القبائل العربية في برقة وغرب مصر، حيث امتزجت فيه عوامل القوة والنفوذ بالهجرات والتحالفات والصراعات التي شكلت ملامح المنطقة عبر قرون طويلة، وتركت آثارها في أنساب القبائل وتوزيعها الجغرافي حتى يومنا هذا.



