تاريخ ومزارات

معركة نهر طلاس نقطة تحول جيوسياسية وحضارية

معركة نهر طلاس، التي وقعت في يوليو عام 751 ميلادية بالقرب من مدينة طلاس (طراز) على نهر طلاس في قرغيزيا الحالية، تعد واحدة من أبرز المواجهات التاريخية في إطار الفتوحات الإسلامية في آسيا الوسطى. دارت المعركة بين الجيوش الإسلامية بقيادة زياد بن صالح الحارثي، والجيش الصيني التابع لأسرة تانغ بقيادة الجنرال غاو شيان‌جي، وانتهت بانتصار ساحق للمسلمين، لكن بثمن باهظ حدّ من التمدد الإسلامي شرقًا.

الخلفية التاريخية

مع صعود العباسيين إلى الخلافة، سعى الخليفة أبو جعفر المنصور إلى تعزيز هيبة الدولة الإسلامية وتأمين حدودها الشرقية. أوكل المهمة إلى واليه في خراسان، أبو مسلم، الذي جهز جيشًا انطلق من مدينة مرو. لاحقًا، انضمت إليه قوات دعم من طخارستان (في أفغانستان الحالية)، ثم اتجه إلى سمرقند حيث التقى بزياد بن صالح، الوالي السابق للكوفة، الذي تولى قيادة الجيش الإسلامي في المعركة.

الجبهة الصينية

وفق المصادر الصينية، حشدت أسرة تانغ جيشًا قوامه 30 ألف مقاتل، بينما تقدر المصادر العربية العدد بـ100 ألف. كان الهدف الصيني هو الحفاظ على نفوذهم في آسيا الوسطى، لكن المواجهة مع المسلمين كانت حاسمة.

أحداث المعركة

اشتبك الجيشان على ضفاف نهر طلاس، حيث تمكن فرسان المسلمين من محاصرة الجيش الصيني بالكامل. أطبقوا عليه الحصار، مما أدى إلى مقتل الآلاف من الجنود الصينيين. فر غاو شيان‌جي من المعركة بعد خسارة أفضل قواته، بينما أسر المسلمون نحو 20 ألف جندي صيني، أُرسلوا إلى بغداد وبِيعوا في أسواق الرقيق.

أهمية المعركة

تكمن أهمية معركة نهر طلاس في كونها الصدام العسكري الأول والأخير بين المسلمين والصينيين. أنهت هذه المعركة النفوذ الصيني في آسيا الوسطى، حيث سقطت قرغيزيا في أيدي المسلمين، وتحولت المنطقة تدريجيًا إلى مركز إسلامي وحضاري بارز. أسلم معظم سكانها من القبائل التركية، وأنجبت لاحقًا علماء كبارًا مثل الإمام البخاري والترمذي وأبو حنيفة.

من أبرز نتائج المعركة انتقال تقنية صناعة الورق من الصين إلى العالم الإسلامي. فقد أُسر عدد من الحرفيين الصينيين الذين كانوا يتقنون هذا الفن، ونُقلوا إلى بغداد. من هناك، انتشرت صناعة الورق إلى دمشق والقاهرة، ثم إلى الأندلس، ومنها إلى أوروبا، لتصبح أحد أهم الإسهامات الحضارية التي غيرت مسار التاريخ.

معركة نهر طلاس لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل نقطة تحول جيوسياسية وحضارية. وضعت حدًا للنفوذ الصيني في آسيا الوسطى، ومهدت الطريق لانتشار الإسلام والمعرفة في المنطقة، مع ترك بصمة دائمة في تاريخ انتقال العلوم والتكنولوجيا بين الشرق والغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى