في ذكرى تأسيس القسطنطينية.. كيف تحولت «روما الجديدة» إلى أعظم عاصمة في التاريخ؟

شهد العالم القديم واحدًا من أبرز التحولات السياسية والحضارية في التاريخ في 11 مايو عام 330م، عندما افتتح الإمبراطور قسطنطين الأول مدينة بيزنطة رسميًا لتصبح العاصمة الجديدة للإمبراطورية الرومانية تحت اسم «روما الجديدة»، لكن الاسم الذي سرعان ما طغى على كل شيء كان «القسطنطينية»، أي مدينة قسطنطين، لتبدأ المدينة رحلة امتدت لأكثر من ألف عام باعتبارها واحدة من أعظم عواصم العالم.
لماذا اختار قسطنطين بيزنطة؟
لم يكن اختيار الموقع وليد الصدفة، إذ أدرك قسطنطين الأول الأهمية الاستراتيجية الفريدة للمدينة الواقعة على مضيق البوسفور، عند نقطة التقاء قارتي آسيا وأوروبا، وقد منحها هذا الموقع قدرة استثنائية على التحكم في طرق التجارة البرية والبحرية بين الشرق والغرب، لتتحول إلى مركز اقتصادي وعسكري بالغ النفوذ.
كما عكس قرار نقل العاصمة من روما إلى الشرق إدراكًا متزايدًا بأن الثقل السياسي والاقتصادي للإمبراطورية بدأ يميل نحو الأقاليم الشرقية الأكثر ثراءً واستقرارًا، مقارنة بالغرب الذي كان يواجه أزمات واضطرابات متلاحقة.
«روما الجديدة» التي أصبحت القسطنطينية
وعلى الرغم من أن الاسم الرسمي للمدينة عند افتتاحها كان «روما الجديدة»، فإن السكان والعالم المحيط بها سرعان ما تبنوا اسم «القسطنطينية» نسبة إلى مؤسسها، ومع مرور الزمن أصبحت المدينة القلب الحقيقي للإمبراطورية الرومانية الشرقية، التي يطلق عليها المؤرخون الغربيون اليوم اسم «الإمبراطورية البيزنطية».
الجدير بالإشارة أن سكان المدينة أنفسهم لم يعتبروا أنفسهم «بيزنطيين»، بل ظلوا يطلقون على أنفسهم اسم «الرومان» لقرون طويلة، حتى بعد سقوط روما الغربية عام 476م، واستمر هذا الشعور بالهوية الرومانية حتى الفتح العثماني عام 1453م، بل امتد في بعض المجتمعات اليونانية حتى القرنين التاسع عشر والعشرين.
مدينة منيعة هزمت الحصار
كما اشتهرت القسطنطينية بتحصيناتها الضخمة، وعلى رأسها أسوار ثيودوسيوس الشهيرة، التي اعتبرت واحدة من أعظم المنظومات الدفاعية في التاريخ القديم والوسيط. وعلى مدار قرون طويلة، عجزت جيوش وإمبراطوريات كبرى عن اقتحام المدينة، بفضل تلك الأسوار وموقعها الطبيعي المحاط بالمياه.
ولهذا ظلت القسطنطينية صامدة أمام عشرات الحصارات، حتى تمكن العثمانيون بقيادة محمد الفاتح من فتحها عام 1453م، في حدث غير موازين العالم، وأنهى فعليًا آخر بقايا الإمبراطورية الرومانية.
من القسطنطينية إلى إسطنبول
أما اسم إسطنبول المعروف اليوم، فيعود في أصله إلى العبارة اليونانية eis tin polin، والتي تعني «إلى المدينة»، في إشارة إلى مكانتها المركزية لدى السكان. ورغم تداول الاسم شعبيًا لقرون طويلة، فإنه لم يصبح الاسم الرسمي للمدينة إلا خلال عشرينيات القرن العشرين، عقب تأسيس الجمهورية التركية الحديثة.



