عادات و تقاليد

وسم الإبل في الصحراء الشرقية.. علامات قبلية تحفظ السلالات النادرة وتروي تاريخ البدو

تعتبر الجمال من أكثر الحيوانات انتشارًا في الصحراء الشرقية بعد الأغنام إذ يعتمد عليها أبناء القبائل في التربية والتجارة بينما تمثل لدى كثيرين الرفيق الدائم خلال التنقل بين الأودية والمناطق الصحراوية في حلايب وشلاتين، ولا تقتصر مكانة الجمال على كونها مصدرًا للغذاء ووسيلة للنقل، بل تمتد لتشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والتاريخية للقبائل التي تعيش في هذه المنطقة.

رمز الصمود والتراث القبلي

وتمثل الجمال عنصرًا أساسيًا في الموروث الثقافي لقبائل حلايب وشلاتين، خاصة قبائل البشارية والعبابدة حيث ارتبط وجودها بتفاصيل الحياة اليومية لأبناء الصحراء، كما تشكل رمزًا للصبر والثبات في مواجهة الظروف الطبيعية القاسية، كما كانت عبر عقود طويلة الوسيلة الرئيسية للتنقل والعيش في تلك المناطق.

وتتميز المنطقة الممتدة على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، من شمال مصر إلى جنوبها، بكثرة أعداد الجمال التي ترافق أبناء القبائل خلال تنقلاتهم بين الأودية الجبلية والمساحات الصحراوية المفتوحة، لتظل جزءًا لا ينفصل عن المشهد الصحراوي هناك.

الوسم.. علامة الهوية والملكية

ويعتبر “الوسم” من أبرز السمات المرتبطة بالجمال في الصحراء الشرقية حيث يتم وضع علامة مميزة على الجمل باستخدام الحديد الساخن للدلالة على القبيلة المالكة له، ولا تستخدم هذه العلامات بشكل عشوائي، بل تعتمد على رموز قديمة متعارف عليها بين القبائل، وتستخدم لتمييز الجمال التي ترعى في المساحات الشاسعة الممتدة بين الجبال والصحارى وتحديد تبعيتها القبلية.

وسم الجمل باسبور العبور بين الأودية

وفي هذا الإطار أكد علي أبو الشيخ أحد أبناء قبيلة القزايزة، إن الوسم يمثل بمثابة “باسبور” أو بطاقة تعريف خاصة بالجمل، إذ يميزه عن غيره من الجمال المتشابهة في اللون أو الشكل، موضحًا أن لكل قبيلة وسمًا خاصًا بها لا يتشابه مع أي وسم آخر، ما يسهل التعرف على الجمل وصاحبه بشكل مباشر.

وتابع “علي” أن المنطقة الواقعة على امتداد الساحل الشرقي للبحر الأحمر تضم عددًا من القبائل البدوية التي تتوزع بين الأودية الجبلية والمناطق الصحراوية ومن بينها قبائل العبابدة والبشارية والرشايدة في جنوب البحر الأحمر بينما تنتشر قبائل جهينة والمعادة والقزايزة في شماله، مشددًا على أن لكل قبيلة نطاقًا جغرافيًا محددًا للرعي لا يسمح بتجاوزه، حتى في الحالات التي تترك فيها الجمال ترعى لأشهر طويلة دون حراسة.

الوسم رخصة مرور وحماية للسلالات

ومن جهته أوضح الحسن عثمان أحد أبناء قبيلة البشارية، إن الوسم يعد بمثابة رخصة مرور للجمال أثناء انتقالها بين المراعي المختلفة، حيث تثبت العلامة في أماكن واضحة من جسم الجمل مثل الفخذ أو الرقبة أو الكتف باستخدام الحديد الساخن، لتظل ظاهرة بشكل دائم.

ولفت “الحسن” إلى أن الوسم يعتبر تقليدًا قديمًا ما زال حاضرًا حتى الوقت الحالي إذ كان في الماضي وسيلة أساسية لإثبات الملكية داخل المراعي الواسعة التي تختلط فيها قطعان الجمال بينما أصبح اليوم وسيلة فعالة لحماية السلالات النادرة ومنع سرقة الإبل، كما أوضح أن الجمال المعروضة للبيع لا يتم وسمها إلا بعد انتقال ملكيتها إلى المشتري وتسلمها بشكل رسمي.

علامة نسب وشرف يدوى

وأضاف “الحسن” أن الوسم لا يقتصر دوره على تحديد هوية الجمل وصاحبه فقط بل يعكس طبيعة الحياة البدوية في صحراء البحر الأحمر حيث ما زالت هذه العادة متجذرة في الوجدان اليومي لأبناء القبائل، وينظر إلى الجمل باعتباره رفيق الرحلة والدرب، بينما يمثل الوسم علامة نسب وشرف تربط بين الجمل وصاحبه وقبيلته عبر الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى