علاء عبدالله يكتب: الحرية الدينية في رؤية الشرفاء الحمادي.. حين يتحول الاختيار إلى جوهر الإيمان
في توقيت تتزايد فيه النقاشات حول علاقة الدين بالحرية وحدود التعايش بين المختلفين، يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “القرآن الكريم استشراف لمبادئ الحرية الدينية” رؤية تنطلق من النص القرآني مباشرة لتقديم تصور مختلف لمسألة الحرية الدينية؛ ليس باعتبارها مطلبًا سياسيًا أو شعارًا حداثيًا وإنما بوصفها أصلًا قرآنيًا متصلًا بفلسفة الخلق نفسها.
المقال لا يدخل إلى القضية من باب الجدل الفقهي التقليدي، بل يبدأ من سؤال أكثر عمقًا: لماذا خلق الله الإنسان مختارًا إذا كان الإيمان الحقيقي لا يتحقق إلا بالقناعة؟، ومن هذا السؤال تتشكل البنية الفكرية للمقال، حيث يقدم الشرفاء الحمادي قراءة ترى أن حرية الاعتقاد ليست استثناءً داخل المنظومة الإسلامية، بل أحد شروطها الأساسية.
والركيزة المركزية التي يبني عليها المقال رؤيته هي أن الإيمان يفقد معناه إذا انتُزع من الإنسان بالإجبار، ومن خلال الاستشهاد بالآيات القرآنية التي تؤكد حق الإنسان في الاختيار يطرح الكاتب تصورًا يعتبر أن الإرادة الحرة ليست تهديدًا للدين وإنما شرطًا لاكتمال معناه، فلو كان المطلوب مجرد الامتثال القسري، لما كانت هناك حاجة للاختبار أو الحساب أو المسؤولية.
وتمنح هذه الفكرة الحرية بعدًا إيمانيًا يتجاوز المفهوم السياسي أو الحقوقي المعتاد لتصبح الحرية جزءًا من العلاقة بين الإنسان وربه، ولا يتوقف المقال عند حدود “عدم الإكراه” بل يربط الحرية الدينية بوحدة الأصل الإنساني، وهنا تظهر إحدى أكثر الأفكار حضورًا في طرح الشرفاء الحمادي؛ وهي أن البشر لا تقاس قيمتهم بانتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الاجتماعية وإنما بما يقدمونه من عمل وما يحملونه من قيم.
وتنقل هذه القراءة النقاش من منطق “من يملك الحقيقة؟” إلى منطق “كيف نتعايش رغم اختلاف فهمنا للحقيقة؟”، وفي هذا السياق يصبح التنوع الإنساني مساحة للتعارف لا ساحة للصدام، وتتحول العلاقة بين البشر من المنافسة على الهوية إلى التنافس في الأخلاق والعمل.
ومن النقاط اللافتة في المقال أنه لا يقدم الحرية باعتبارها انفلاتًا من الضوابط أو تحررًا من المحاسبة بل يربطها دائمًا بفكرة المسؤولية الفردية، فالإنسان – وفق الرؤية المطروحة – يملك حرية الاختيار لكنه لا يتخلص من نتائج هذا الاختيار، وهنا تظهر المعادلة القرآنية التي يراها الكاتب أساسًا لبناء مجتمع متوازن: “لا إكراه في الاعتقاد، ولا إعفاء من المسؤولية”، وتمنح هذه الثنائية الإنسان مكانته كفاعل أخلاقي مسؤول لا ككائن موجه أو تابع.
ولا تتوقف أهمية المقال عند الجانب التأصيلي،د بل تمتد إلى الواقع المعاصر؛ إذ يقدم رسالة واضحة مفادها أن السلام المجتمعي لا يبنى بالقوة ولا بإلغاء الاختلاف، وإنما بالاعتراف بحق الإنسان في أن يختار، أن يناقش، وأن يعيش معتقده دون خوف أو وصاية.
وفي عالم تتصاعد فيه الانقسامات والهويات المغلقة، يبدو هذا الطرح محاولة لإعادة تقديم الإسلام بوصفه رسالة تخاطب الإنسان أولًا، وتؤسس لعلاقات تقوم على الاحترام لا الإكراه، وعلى الحوار لا الإقصاء.
في النهاية، سواء اتفق القارئ مع كل تفاصيل هذا الطرح أو اختلف معها، فإن القيمة الأبرز في مقال الشرفاء الحمادي تكمن في أنه يعيد فتح سؤال جوهري ظل حاضرًا عبر العصور: “هل يمكن أن يكون الإيمان حقيقيًا إذا لم يكن حرًا؟” والإجابة التي يقدمها المقال واضحة؛ الحرية ليست خارج الدين بل إحدى بواباته الكبرى.


