كتابنا

سيناء … أرض النور والنار قراءة في رواية “خطايا مقصودة” للكاتب عبدالله السلايمة

مقال :
سيناء … أرض النور والنار
قراءة في رواية “خطايا مقصودة” للكاتب عبدالله السلايم
حاتم عبدالهادي السيد

يعتبر عبدالله السلايمة أول من كتب الرواية السيناوية، التي تؤطر للمكان، وللتحولات الكبرى هناك، تلك التى تُعلّي من سيرة السرد: التاريخي، الاجتماعي، التراثي، الفني عبر مستوياته التي يستطيع احكام تفاصيلها: معناها ومبناها، من خلال وصف المكان، وتمظهراته، وآثاره النفسية، والعامة.
في روايته “خطايا مقصودة”، يحيلنا الروائي عبدالله السلايمة – منذ البداية – الى الصحراء، عبر قصيدة محمود درويش التي استهل بها روايته:
“هذه الأرض لي .. وكنت قديمًا
أحلب النوق راضيًا ومولّه
وطني ليس حزمة من حكايا
ليس ذكرى، وليس حقل أهلّة
هذه الأرض جلد عظمي وقلبي
فوق أعشابها يطير كنخلة “.
لقد لخصت القصيدة مستغلقات رواية بات عنوانها ملغزاً، خطايا، ذنوب كبرى، مقصودة ـ كما يذكر ـ وحاولت القصيدة فك شيفرتها ومضامينها الرامزة، لتظل:” خطايا مقصودة”، شاهداً على زماننا، على حياتنا في سيناء. فالخطايا التى يكابدها انسان البادية تعكس مظاهر الصحراء بكل ما فيها، وتستشرف أفقاً يتغيّاه الكاتب/السارد لهذه البادية/الوطن/الذات المقهورة التى تعيش هناك – على حافة الحياة: تنظر للوطن كتوجّه، كقضية كبرى للوجود، وجوده هو، ووجود الآخرين الذين يتحفزون لقهر أهوال الصحراء من جهة، والأخطار التى تتهددهم – عبر مسيرة الزمن، إذ هم ينادون بحقهم في الحياة، وحيث المكان هنا هو الوطن، مكان القبيلة، الانتماء الروحى، والفيزيائى للذات التى تتريّض على مفردات البيئة.
كما تتعرض الرواية للأحداث التاريخية التى مرت بها سيناء على مدار عصورها، منذ عصور الفراعين الأوالى وانتهاء بغزو الارهاب لها، ذلك الذي يشوّه الحب والمكان والتاريخ، يريد محو تفاصيل المكان، بينما يتشبث هو/هم بالمقاومة، بالدفاع عن حقهم في الحياة والمواطنة، لتظل الرواية سرداً للمكان، من خلال الواقع الاجتماعى، السياسى، الاقتصادى، ولتصبح “ديوان البادية” الذى يسجل، يروى، يستعيد ـ عبر تقنيات الفلاش باك، والتضمين، والمعادل الموضوعى، الضمنى، الاحالى، الترميزى ـ الحقب التى مرّت، والأحداث التى تواكبت، عبر الزمان والمكان، وكأنه كسارد عليم ، شاهد على المكان والأحداث، يقول ليعكس واقع عصر الارهاب الذى عاشه المواطنون: بين مطرقة الدواعش، وسندان أجهزة الدولة، يقول عبر الرواية:
(أدار محرك السيارة وانطلق غاضبًا مواصلاً سيره.لاذ كل منا بصمته حزينًا للحظات على ما يحدث للديار التي كانت حتى وقت قريب عامرة بالسلام والألفة والمحبة، وأضحت الآن خرابًا يدمي القلوب حزنًا، وكان كافيًا لإظلام أي طاقة أمل لدى أهلها في غدٍ أفضل.
غدٍ، قال السائق: يبدو أن شمسه لن تشرق أبدًا، وتعبيرًا عن غضبه وقنوطه، تساءل وهو يضرب المقود بقبضة يده: يا إلهي إلى متى هذا الجحيم؟! لقد كنا نعيش جحيمًا واحدًا، وأصبحنا الآن نعيش بين جحيمين..التفت نحوي قائلاً في استغراب: أن كل من الطرفين لا يروننا سوى حشرات تستحق السحق تحت نعالهم ..!.
وكما لو كان يلومني على صمتي، تساءل مندهشًا: لمِ أَنت صامت هكذا، فلتقل شيئاً؟!.
“أحيانا يكون الصمت أبلغ من الكلام”، رددت محاولاً قطع الطريق عليه، قبل أن يستدرجني للحديث في أمور، من المؤكد سوف يودي بي الخوض فيها في النهاية إلى أحد أمرين: إما الاغتيال على يد الجماعات المتطرفة، أو الاعتقال والزج بك في السجن، فما أدراني أي الطرفين يؤيد الرجل، الدولة أم جماعة “الإخوان”.
ولأن الشك سيد الموقف، والكل مشُتبه به، حرصت منذ بدأت الدولة حربها على الجماعات الإرهابية، على عدم الدخول في نقاشات لا طائل منها غير تعريض نفسي للأذى، تجنبًا له، قلت للسائق: من الأفضل أن يتابع سيره، ويدعه من التحدث في ما لا فائدة منه).( الرواية ص8).

انه حال سيناء ـ الآن ـ يرصده كما هو، كما رآه. إنها رواية السيرة، عبر المكان (السير/ ذاتى)، حكاية البدوى مع المستعمر، حكاية الانسان مع الظلم التاريخى، وحكاية سيناء، يسرد لنا الراوى ـ عبر المكان ـ أحداثاً وأماكن، ويعبر بنا عبر الجبال والهضاب الى الذات والمجتمع. يحيلنا الى ذواتنا العاجزة المقهورة تحت ركام الارهاب، وقبضة القوة من جانب الجيش، وهو الضحية ـ كما يسرد ـ يدفع فاتورة لجرم لم يرتكبه، ولإرث تاريخى، وأيديولوجى، وعقائدى ليس طرفاً فيه.
إنها الرواية التى تعكس النضال الوطنى ضد الصهاينة، تقول الرواية:
( رد صابر قائلاً: لقد تراجع “اليهود” عن قرارهم في إقامة المستعمرة!….. حتى نهاية المقطع:” ولم يكن الوفد مهتمًا بالسلام، ولا يعنيه مساندتهم كما زعموا، بقدر ما وجد في مأساتنا فرصة مثالية، حاولوا استغلالها ببشاعة، ليُظهروا لرأيهم العام، أنهم الأفضل والأجدر بحكم دولتهم من حزب “الليكود!.(الرواية ص32).
إنها الرحلة عبر مسيرة السرد، رحلة الشتات، الهلع الأكبر في ظل الخوف من بطش الارهاب والقتل ، لذا لا غرو أن نراه ـ عبر مسيرة السرد ـ يسافر في المكان عبر الزمن ويصف لنا سيناء، ذاته المقهورة، حال السكان الذين هجروها، وتشردوا ، وقتلوا وذبحوا، بفعل فاعل، فهم الخطايا المقصودة، الذنب الأعظم الذى ينتظر الثأر من الخارجين عن المِلة، أولئك الذين يتلذذون بالقتل ومناظر الدماء الهادرة، لذا كان الهروب إلي أماكن أخرى، وحياة مغايرة، ينشد فيها الأمن والأمان عبر روابي سيناء وتضاريسها الجمالية الشاهقة، يقول:
(قبل أن تنطلق السيارة، كان قد خطط مسبقًا الذهاب إلى”جنوب سيناء”، والاستقرار بالقرب من “جبل موسى” و”دير سانت كاترين”، ففي ذلك المكان المُقدس يمكنه الشعور بالطمأنينة والسلام اللذين ينشدهما على الدوام، وممارسة طقوس حياته على الطريقة البدائية القديمة، والتمتع قدر الإمكان بجمال وروعة الطبيعة، وبعزلته التي ذهب إليها بمحض اختياره، لمقاطعة واعتزال العالم وشروره…. حتى نهاية المقطع:”فمنذ أعوام كثيرة مضت عاش بين نسيانها وذكراها، ومنذ بدأت رحى الحرب تدور في دياره، لا تجيء ذكراها إلا على فترات متباعدة، فما تسببه الحرب من أحزان ومآس كان كفيلاً بأن يُنسيه “سُهيلا”).( الرواية ص143) .
انه حب المكان، الوطن، حب الكتابة والبوح، التذكار عبر المكان والسكون لصحراء النور والنار، حيث تتبدى جماليات السرد، إلا أن مشهدية الوصف قد أصابته بصاعقة حيث تهادى أزيز الطائرات من فوقه، وتم االتعامل معه على أنه ارهابى، وعبر مسيرة السرد الذى يكسر جوقة المشهد يتدخل السارد، الراوى العليم، ليسجِّل عبر الكتابة تفاصيل الأحداث، للظلم، للبراءة التى تُنتهك دون وازع.
يقول الرواية ص144:(جاشت بصدره جراح قديمة وجديدة، أشعرته برغبة مفاجئة في الكتابة، فثمة أشياء كثيرة مؤلمة يمكنه الكتابة عنها الآن، وقد لا يجد الفرصة فيما بعد. رأى في تلك الرغبة التي اجتاحته فجأة، فرصة ثمينة عليه أن يغتنمها، فالكتابة كما يُقال: “ضرورة كالحياة، وحقيقة كالموت”، عليه أن يسجل كل ما كان ومازال يعذبه، وما سوف يسبب له ولذويه مستقبلاً المزيد من العذاب….. حتى نهاية المقطع:” وأذهلني في اليوم التالي أن راحت الفضائيات تتبارى في عرض وجهه مشوهًا، وراح مذيعوها يتنافسون في الإعلان بحماس عن سقوط خائن آخر من كبِار قادة “داعش”، ويؤكدون بحماس أشد أنه لن يكون الأخير. ومن ثم توالت الاتصالات، تبارك هذا الإنجازالعظيم..). ( الرواية ص 144)
ويبقى القول: أن عبدالله السلايمة عاشق البادية، الهائم بتفاصيلها، كراهب في المكان، ثائر طوال الوقت، يريد الجانب المضىء ليحارب الظلام القيمي فيها، النُظُم المُحرّمة، ظُلم المرأة، التعصب الأعمى للقبيلة ضد كل الأعراف والقيم الانسانية الكبرى. ويظل ـ في كل كتابته، مخلصاً للمكان، سارداً للواقع، مؤرخاً للتاريخ، رافضاً للظلم، وباحثاً عن القيم الانسانية النبيلة الكبرى.
حاتم عبدالهادى السيد
رئيس رابطة الأدباء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى