الإسكندرية التي أسرت قلب ابن بطوطة.. حكاية مدينة غيرت مسار أشهر رحالة في التاريخ

في صباح مشرق من أول جمادى الأولى سنة 726هـ الموافق 5 أبريل 1326م، وصل الرحالة المغربي الشاب ابن بطوطة إلى أسوار الإسكندرية بعد رحلة طويلة وشاقة قطع خلالها آلاف الكيلومترات قادما من طنجة، وكان في الثانية والعشرين من عمره، يحمل حلما كبيرا وشغفا لا ينتهي لاكتشاف العالم، ولم يكن يعلم أن هذه المدينة الساحلية الساحرة ستترك في نفسه أثرا عميقا يرافقه طوال حياته.
قصة بن بطوطة ومحافظة الإسكندرية
ما إن وطأت قدماه أرض الإسكندرية حتى وقع أسيرا لجمالها الفريد، فقد بدت أمامه كجوهرة متلألئة على شاطئ البحر المتوسط، مدينة نابضة بالحياة والحركة، تمتزج فيها رائحة البحر بعبق التجارة والحضارة، وأعجب بشوارعها الواسعة المنظمة، وحماماتها الفخمة، وأسواقها المزدحمة التي امتلأت بالبضائع القادمة من مختلف أنحاء العالم، فوقف يتأمل كل ما يحيط به ثم حمد الله على أن أكرمه بزيارة هذه المدينة العظيمة التي طالما سمع عن مكانتها ومجدها.
وخلال جولاته داخل المدينة تعرف إلى أبواب الإسكندرية الشهيرة التي كانت تمثل رموزا تاريخية مهمة وتحرس المدينة من مختلف الجهات، فكان هناك باب السدرة المؤدي نحو بلاد المغرب، وباب رشيد الذي يربط المدينة بأقاليم الدلتا، وباب البحر المطل على الأمواج والسفن القادمة من بعيد، أما الباب الأخضر فقد تميز بطابع خاص، إذ اعتاد أهل الإسكندرية فتحه يوم الجمعة فقط، ليخرجوا عبره في مواكب كبيرة نحو المقابر في مشهد اعتادته المدينة عبر سنوات طويلة.
ثم توجه ابن بطوطة إلى الميناء الكبير، ذلك المكان الذي مثل القلب النابض للإسكندرية ومصدر قوتها وازدهارها، وهناك شاهد مشهدا لم ينسه أبدا، سفن ضخمة ترفع أشرعتها فوق صفحة البحر، وتجارا من العرب والفرس والترك والهنود والصينيين يتنقلون بين الأرصفة، يتبادلون السلع والأخبار والقصص بلغات ولهجات مختلفة، وقد أبدى إعجابا كبيرا بالميناء حتى ذكر أنه لم يشاهد في أسفاره الكثيرة سوى عدد محدود جدا من الموانئ التي تضاهيه في الأهمية والعظمة.
غير أن أكثر ما لفت انتباهه كان منارة الإسكندرية الشهيرة، إحدى أعظم عجائب الدنيا في ذلك العصر، فقد رفع بصره نحو ذلك البناء الضخم الذي ارتفع فوق البحر كأنه حارس أبدي للمدينة، ورغم أن الزلازل كانت قد ألحقت بها أضرارا كبيرة وأدت إلى تهدم أحد جوانبها، فإنها ظلت تحتفظ بهيبتها ومكانتها، وكان بابها يرتفع عن سطح الأرض ولا يمكن الوصول إليه إلا بواسطة جسر خشبي متحرك يتحكم فيه الحارس المكلف بحمايتها.
كما أثار فضوله عمود السواري، ذلك العمود الرخامي الأحمر العملاق الذي انتصب شامخا خارج أسوار المدينة، فوقف يتأمله بإعجاب شديد متسائلا عن الطريقة التي استخدمت لرفعه إلى ذلك المكان المرتفع، وسمع من أهل الإسكندرية حكاية طريفة عن رام بارع استطاع الوصول إلى قمته بحيلة ذكية، عندما أطلق سهما مربوطا بخيط رفيع عبر أعلاه، ثم استبدل الخيط بحبال أقوى حتى تمكن من الصعود وسط دهشة الجميع وإعجابهم.
وفي الإسكندرية لم يقتصر اهتمام ابن بطوطة على مشاهدة المعالم فقط، بل حرص على لقاء كبار العلماء والشخصيات البارزة في المدينة، وكان أكثرهم تأثيرا فيه الشيخ الزاهد برهان الدين الأعرج، الذي استضافه عدة أيام وأخبره بأنه سيقوم برحلة طويلة تمتد إلى أقصى بلاد المشرق حتى الهند والصين، ولم يكن الرحالة الشاب يدرك وقتها أن هذه الكلمات ستتحول لاحقا إلى حقيقة مذهلة يعيشها بنفسه خلال سنوات ترحاله الطويلة.
كما التقى القاضي عماد الدين الكندي المعروف بمهابته ومكانته الرفيعة، والتقى أيضا العالم فخر الدين بن الريغي، وغيرهما من العلماء وأهل الفضل الذين جعلوا من الإسكندرية مركزا مهما للعلم والثقافة في ذلك العصر.
ومن المواقف التي ظلت راسخة في ذاكرته لقاؤه بالسلطان المخلوع أبو يحيى زكرياء اللحياني، الذي لجأ إلى الإسكندرية بعد فقدانه الحكم، وكان برفقته أبناؤه الثلاثة عبد الواحد ومصري وإسكندري، وقد استقبله السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون بحفاوة كبيرة وأكرم وفادته، ثم شهدت الأيام أحداثا غريبة، إذ توفي السلطان وابنه إسكندري داخل الإسكندرية، بينما عاش مصري في مصر، وعاد عبد الواحد إلى المغرب.
ومرت السنوات، وطاف ابن بطوطة مشارق الأرض ومغاربها، وزار عشرات البلدان والمدن، قبل أن يعود إلى الإسكندرية مرة أخرى سنة 750هـ الموافق 1349م، لكنه وجد مدينة مختلفة عن تلك التي أسرته في شبابه، فقد ترك الزمن بصماته على بعض معالمها، وتحولت المنارة العظيمة إلى بقايا وأطلال بعد ما تعرضت له من كوارث وزلازل متتالية.
وقف الرحالة الذي أثقلته السنوات أمام ما تبقى من المنارة، واستعاد في مخيلته صورتها الأولى عندما شاهدها شامخة للمرة الأولى، فأدرك أن الزمن قادر على تغيير كل شيء مهما بلغت عظمته، وأن الذكريات وحدها تظل قادرة على حفظ صور الماضي وروائعه.
وهكذا بقيت الإسكندرية في قلب ابن بطوطة مدينة استثنائية لا تشبه غيرها، مدينة يلتقي فيها هدير البحر بعظمة التاريخ، وتمتزج فيها روائع العمران بحكايات البشر، لتظل واحدة من أجمل المحطات وأكثرها تأثيرا في رحلته الخالدة حول العالم.



