تاريخ ومزارات

آي.. سائس الخيول الذي سرق عرش الفراعنة

عاشت مصر في أواخر الأسرة الثامنة عشرة فترة شديدة الاضطراب، بعدما هز الملك إخناتون أركان الدولة بثورته الدينية الكبرى، عندما دعا لعبادة آتون وحده، وأهمل آمون وكهنته ومدينة طيبة المقدسة، قسمت تلك الثورة البلاد، وأشعلت الصراع داخل القصور والمعابد، حتى أصبحت مصر تعيش حالة من التوتر والخوف والانقسام.

مصر بعد ثورة إخناتون

وبعد وفاة إخناتون، عاد ابنه الصغير توت عنخ آتون إلى عبادة الآلهة القديمة تحت ضغط كهنة آمون، وغيّر اسمه إلى توت عنخ آمون في محاولة لإرضاء المعابد وإعادة الاستقرار إلى المملكة، لكن القدر لم يمنحه وقتًا طويلًا، فتوفي الملك الشاب فجأة وهو في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره، وترك خلفه زوجته الصغيرة عنخ آسن آمون تواجه أخطر أزمة في حياتها.

الملكة التي استعانت بعدو مصر

 

وجدت عنخ آسن آمون نفسها وحيدة وسط قصر مليء بالطامعين، دون وريث ذكر يحمي العرش أو يضمن استمرار الحكم، وكانت البلاد لا تزال تعاني من آثار الفوضى الدينية، والجيش مرهق، والأعداء يراقبون حدود مصر منتظرين أي لحظة ضعف، ولأن التقاليد المصرية رفضت أن تحكم المرأة وحدها، بدأت الملكة تبحث عن مخرج ينقذها وينقذ المملكة.

 

لكنها لم تجد داخل البلاط رجلًا من الدم الملكي يمكنه اعتلاء العرش بثقة، لذلك اتخذت أخطر قرار في تاريخ الملكات المصريات، فأرسلت رسالة سرية إلى الملك الحيثي سوبيلوليوما الأول، العدو الأقوى لمصر في ذلك العصر، وطلبت منه أن يرسل أحد أبنائه ليتزوجها ويصبح فرعونًا على مصر، وكتبت له بفخر وغضب: أعطني ابنك، فأنا لا أريد الزواج من عبد.

آي يراقب من الظل

 

وبينما انشغل الجميع بأزمة العرش، كان رجل واحد يراقب كل ما يحدث بصمت شديد، كان ذلك الرجل هو آي، المستشار الأول والوصي على العرش، بدأ حياته في مدينة أخميم سائسًا للخيول، لكنه امتلك ذكاء استثنائيًا وطموحًا بلا حدود، فصعد تدريجيًا داخل القصر حتى أصبح واحدًا من أقوى رجال الدولة.

 

عرف آي كيف يكسب ثقة الملوك والكهنة، وكيف يغير مواقفه في اللحظة المناسبة، حتى حصل على لقب الأب الإلهي، وأصبح المشرف الفعلي على شؤون البيت الملكي، ولم يكن رجلًا عاديًا، بل سياسيًا شديد الدهاء يعرف متى ينتظر ومتى ينقض على الفرصة.

المؤامرة التي غيرت مصير مصر

 

وصلت أخبار الرسائل السرية إلى آي، فعرف أن الملكة تحاول جلب أمير حيثي ليتزوجها ويحكم مصر، وأدرك فورًا أن وصول الأمير يعني نهاية طموحه إلى الأبد، لذلك تحرك بسرعة وأعد كمينًا محكمًا للأمير الحيثي زانانزا قبل دخوله مصر، وهاجم رجاله الموكب وقتلوه في الطريق.

 

وتقول بعض الروايات إن القتلة قطعوا جثته وأرسلوا أجزاء منها إلى أبيه الملك الحيثي وإلى الملكة نفسها، في رسالة دموية تؤكد انتهاء الأمر.

بعدها دخل آي إلى الملكة الشابة وهو يحمل الرسائل التي أرسلتها سرًا، ثم وضعها أمامها وابتسم بثقة المنتصر، وقال لها بوضوح: إما أن تتزوجيني وتنصبيني ملكًا على مصر، وإما أكشف رسائلك أمام الشعب والكهنة وأتهمك بالخيانة.

من إسطبلات الخيل إلى عرش الفراعنة

لم تجد عنخ آسن آمون أي طريق للهروب، وفي وقت قصير جدًا أعلن القصر زواج الملكة من آي، وتوج الرجل العجوز فرعونًا على مصر، بعدما بدأ حياته يومًا ما سائسًا للخيول.

كانت تلك واحدة من أغرب اللحظات في تاريخ الفراعنة، فرجل لم ينحدر من الأسرة الملكية ولم يحمل دمًا مقدسًا، استطاع بدهائه ومكره أن يجلس فوق عرش مصر العظمى.

أما الملكة الشابة، فاختفت بعد الزواج بفترة قصيرة، ولم يظهر اسمها بعدها في السجلات الرسمية تقريبًا، كما لم يعثر أحد على قبرها حتى اليوم، ويرجح كثير من الباحثين أن آي تخلص منها حتى يضمن استقرار حكمه وعدم ظهور أي تهديد لعرشه.

النهاية الغامضة لفرعون بلا مومياء

 

حكم آي مصر أربع سنوات فقط، لكنه نجح خلال تلك الفترة في إعادة الهدوء إلى البلاد، وقمع بقايا الصراع الديني، وأعاد قوة المعابد من جديد، كما استولى على المعبد الجنائزي الخاص بتوت عنخ آمون، وبنى معابد أخرى في أخميم والنوبة، وأعد لنفسه مقبرة ضخمة داخل وادي الملوك.

 

لكن نهايته جاءت سريعًا، فمات آي فجأة، وتولى الحكم بعده قائد الجيوش حور محب، الذي حاول بكل قوته محو آثار آي من التاريخ، فحطم تماثيله وأزال اسمه من كثير من النقوش.

 

وحتى اليوم، لم يعثر العلماء على مومياء آي، وكأن التاريخ قرر أن يحرم الرجل الذي حلم بالخلود من الحياة الأبدية التي سعى إليها طوال عمره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى