تاريخ ومزارات

أحمد باشا الجزار وبني عونه.. التحالف الذي نقل فرسان البحيرة إلى الجليل

يعد أحمد باشا الجزار واحدا من أشهر الشخصيات التي ظهرت في المشرق العربي خلال القرن الثامن عشر، وقد ارتبط اسمه بالعديد من الأحداث السياسية والعسكرية التي شهدتها مصر وبلاد الشام، كما ارتبط بعلاقات وتحالفات وثيقة مع قبائل بني عونه والهنادي، وخصوصا الجماعات التي استقرت لاحقا في منطقة الجليل بفلسطين.

من هو أحمد باشا الجزار

ولد أحمد بوشناق، المعروف تاريخيا باسم أحمد باشا الجزار، في البوسنة نحو سنة 1734م، وينحدر من أصول بوسنية، ثم غادر موطنه في شبابه متوجها إلى إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية، وهناك التحق بحاشية الصدر الأعظم علي باشا حكيم أوغلي، الذي قربه إليه وضمه إلى خاصته.

وفي حدود سنة 1755م انتقل أحمد الجزار إلى مصر ضمن مرافقي علي باشا حكيم أوغلي عندما تولى ولاية مصر، فدخل الجزار الحياة السياسية والعسكرية في البلاد من هذا الباب، واستمر في خدمة علي باشا قرابة عامين، ثم خرج لأداء فريضة الحج بصحبة صالح بك القاسمي أمير الحج، وعندما عاد من رحلته وجد أن أستاذه قد غادر منصبه، فانتقل إلى خدمة عبدالله بك، ثم التحق لاحقا بخدمة علي بك الكبير الذي كان من أبرز رجال الدولة في ذلك العصر، حتى أصبح الجزار واحدا من الأمراء المعروفين داخل المؤسسة المملوكية.

وفي تلك الفترة كانت إقليم البحيرة يمثل واحدة من أهم مناطق النفوذ القبلي في مصر، وكان يمتد جغرافيا من الإسكندرية غربا حتى الجبل الأخضر شرقا، وقد انتقلت مشيخة الإقليم خلال منتصف القرن الثامن عشر إلى قبيلة الهنادي اللبيدية، وهي من القبائل المرتبطة تاريخيا ببني عونه، وجاء ذلك بعد مرحلة طويلة حكمت خلالها إمارة بني عونه الإقليم لأكثر من ثلاثة قرون متواصلة.

وكان الشيخ حمد أبو الزامل آخر أمراء بني عونه الذين تولوا قيادة الإقليم، لكن اغتياله في أواسط القرن الثامن عشر أدى إلى انتقال مشيخة البحيرة إلى قبيلة الهنادي، التي أصبحت القوة القبلية الأكبر في المنطقة خلال تلك المرحلة.

وعندما قتل عبدالله بك نائب علي بك الكبير أثناء إحدى الحملات العسكرية التي استهدفت عرب البحيرة، وبعد إخفاق تلك الحملة في تحقيق أهدافها، قرر علي بك الكبير تعيين أحمد بوشناق حاكما على البحيرة، وكلفه بالانتقام لمقتل أستاذه، فاستدعى الجزار عددا من مشايخ الهنادي وأعيانهم، ثم احتال عليهم وأوقع بهم وقتل عددا منهم، ومنذ ذلك الوقت اشتهر بلقب الجزار الذي لازمه طوال حياته.

وفي الوقت نفسه استغل علي بك الكبير انشغال الدولة العثمانية بحربها مع الإمبراطورية الروسية بين عامي 1768م و1774م، فوسع نفوذه داخل مصر وعزل الوالي العثماني، ثم انفرد بإدارة البلاد، كما أقام تحالفا سياسيا وعسكريا مع حاكم عكا الشيخ الظاهر بن عمر الزيداني، وربط الطرفان علاقات مع الروس سعيا لتعزيز موقعيهما في مواجهة الدولة العثمانية.

ومع ازدياد نفوذ علي بك الكبير بدأ يتخلص من منافسيه داخل طبقة المماليك، وعندما قرر الإيقاع بصالح بك القاسمي أوكل المهمة إلى مجموعة من المماليك، وطلب من أحمد الجزار أن يكون أول المشاركين فيها، لكن الجزار رفض تنفيذ الأمر، بل قام بتحذير صالح بك سرا من الخطة التي أعدت ضده.

وعندما علم علي بك الكبير بما فعله الجزار غضب منه وبدأ يلاحقه، فاضطر الجزار إلى الهرب والتنقل بين عدة مناطق، وفي نهاية المطاف اتجه إلى إقليم البحيرة بعدما حصل على الأمان من عربان الهنادي، فنزل بينهم وأقام في مناطق نفوذهم.

وخلال إقامته في البحيرة توثقت علاقاته بعدد من زعماء بني عونه، وعلى رأسهم الأمير علي العوني الذي عرف فيما بعد بلقب الهواري، ونشأت بين الرجلين علاقة صداقة وتحالف استمرت سنوات طويلة، وكان لها أثر كبير في الأحداث التي شهدتها بلاد الشام لاحقا.

وفي سنة 1769م غادر أحمد الجزار مصر متجها إلى الشام، وجاء رحيله عقب حملة عسكرية نظمها علي بك الكبير ضد عرب البحيرة، وشارك فيها عدد من القبائل وعلى رأسها الهنادي، وانضم الجزار إلى صفوف العرب خلال تلك المواجهات، لكن الهزيمة التي تعرض لها جيشهم دفعته إلى الاختفاء ثم الرحيل نهائيا نحو بلاد الشام.

وتقلبت أحوال الجزار هناك خلال سنوات قليلة، لكنه تمكن بفضل دهائه وخبرته العسكرية من الصعود السريع، وفي حدود سنة 1776م تولى ولاية عكا وصيدا بعد مقتل الظاهر بن عمر الزيداني، ثم أخذ نفوذه يتوسع تدريجيا حتى أصبح من أقوى حكام بلاد الشام، وسيطر على مناطق واسعة منها، وعين النواب والولاة التابعين له في العديد من المدن.

ومع اتساع الصراعات العسكرية التي خاضها في الشام احتاج الجزار إلى دعم حلفائه القدامى، فأرسل في حدود سنة 1777م إلى بني عونه طالبا المساندة والمؤازرة، فاستجابوا لندائه، وانتقلت مجموعة من فرسانهم وزعمائهم إلى منطقة الجليل، يتقدمهم الشيخ علي العوني صديق الجزار القديم، والذي اشتهر لاحقا بلقب الهواري وفخر الآغوات المكرمين.

وبعد استقرار هذه الجماعات في الجليل اشتهر أبناء بني عونه هناك باسم الهوارة، وذلك لما عرف عنهم من الشجاعة والقوة في القتال، كما انضمت إليهم مجموعات أخرى من القبائل اللبيدية مثل الهنادي والبراعصة والحاسة، إضافة إلى جماعات جاءت من مناطق شمال إفريقيا، فتشكل من ذلك كله تحالف قبلي واسع عرف باسم هوارة الجليل.

وتولى هوارة بني عونه، الذين عرفوا أيضا باسم هوارة الناصرة، قيادة هذا التحالف الكبير، وأصبح لهم حضور بارز في المنطقة، حتى ارتبط اسمهم بتاريخ الناصرة والجليل خلال تلك المرحلة، وقد أشار المحامي والمؤرخ محمد النمر الهواري إلى هذا الارتباط عندما وصفهم بأنهم من الباحثين عن عرقان الناصرة ومغاورها ومواطنها القديمة المرتبطة بتاريخ المنطقة منذ العصور السابقة.

وهكذا شكلت العلاقة بين أحمد باشا الجزار وبني عونه نموذجا واضحا للتحالفات القبلية والسياسية التي ميزت القرن الثامن عشر، حيث انتقلت هذه الروابط من سهول البحيرة في مصر إلى جبال الجليل في فلسطين، وأسهمت في رسم جانب مهم من تاريخ القبائل العربية ونفوذها في المشرق العربي خلال تلك الحقبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى