جزيرة تحولت إلى عبرة وقرية حافظت على الذاكرة.. قصة الدير وماؤها وناسها بالبحرين

في إحدى نواحي قرية الدير كان هناك راهب اعتزل العالم في صومعة صغيرة، وبعد وفاته تحولت الصومعة إلى مسجد، وسمي الحي الذي كان يسكنه بفريق الراهب، أما اسم القرية نفسه فجاء من وجود هذا الدير قبل دخول الإسلام إلى البحرين.
قصة الدير وماؤها وناسها بالبحرين
تقع قرية الدير على الساحل الشمالي لجزيرة المحرق، وتبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن مدينة المحرق باتجاه الشمال الشرقي، وترتبط حياة سكانها بالبحر، الذي شكل مصدر رزق رئيسي لهم، خاصة في السابق عندما كانت مهنة الغوص إلى جانب صيد الأسماك هي السائدة بينهم.
تشير بعض المصادر إلى أن اسم الدير ورد في كتابات لرحالة إنجليز زاروا البحرين عام 1905، أي قبل سنة الطبعة بنحو عشرين عاماً، وذكروا أن سكانها يعملون بصيد اللؤلؤ وأن بها خمساً وعشرين سفينة مخصصة لهذا الغرض، كما كان فيها 1700 نخلة و300 منزل مبني من الطين والجص.
في القرية أكثر من خمس عشرة مزرعة كانت تُروى من عيون مياه عذبة، ومن أبرزها عين السادة الواقعة شمال المسجد الغربي، والتي بقيت حتى الستينات ثم رُدمت، وما زال أثرها موجوداً، وعين النسوان شمال شرق عين السادة وكانت مخصصة للنساء للاستحمام والغسيل حتى جف ماؤها وردمت، كذلك عين الدولاب أو حيوة في مزرعة شمال غرب المسجد الغربي، وظلت حتى أواخر السبعينات ثم طُمرت.
أما عين أم الكراسي فقد سُميت بهذا الاسم لوجود أحجار كبيرة على هيئة كراسي للنزول فيها، وهي واحدة من عدة عيون تشكلت في منطقة البستان الغربي جنوب المسجد الغربي، الذي اندثرت عيونه بعد إزالة البستان، ومن بينها عين أم الجريش وعين الباب.
توجد أيضاً عين ريه في مزرعة تحمل الاسم نفسه وما زالت قائمة، وعين الراهب الواقعة في موقع مدرسة الدير الابتدائية للبنات سابقاً، وقد تم طمرها، إضافة إلى عين الشركة أو الحمبوة التي حفرتها شركة نفط البحرين، واعتمدت عليها القرية للشرب والسباحة والغسيل، وكانت تقع شرق مسجد الخيف، وتتميز بمجرى طويل من الأسمنت والحجارة يصل المياه إلى بركة داخل مزرعة دالية الشركة.
ومن مظاهر استخدام هذه العين أن النساء كن يجتمعن عند منبعها صباحاً وظهراً، بينما كان القسم الجنوبي من المجرى مخصصاً للرجال، وهناك أيضاً عين بن يوسف قرب مأتم سيد علي، وعين تنه التي تحمل اسم المزرعة التي تقع فيها.
قرية الدير من أكثر قرى البحرين كثافة سكانية، ويقدر عدد سكانها بأكثر من 19 ألف نسمة، بينهم حوالي 5000 شاب تتراوح أعمارهم بين 16 و35 عاماً، وينحدر أغلب سكانها من قرية سماهيج، وهم من أوائل من دخلوا الإسلام في البحرين بعد أن كان السكان يدينون بالمسيحية.
تطورت الدير لتضم عدة أحياء منها الغرب، الشرق، الشركة، الراهب، البدو، الدفنة، كربلاء وحي العسكريين، أما عن مساجدها فيوجد فيها جامع الخيف، الجامع الغربي، المسجد الوسطي، مسجد فاطمة الزهراء، مسجد بردان، مسجد الروضة، مسجد بن مطر الذي يعرف بمسجد أهل السنة، إضافة إلى مسجد الراهب ومسجد المقبرة الذي هُدم لاحقاً.
أما المآتم، فتضم القرية ستة للرجال، أقدمها مأتم الحاج محسن المعروف حالياً بمأتم الحاج عبد الرضا، وقد قرأ فيه عدد من الخطباء البارزين مثل بن سليم، ملا حسن أبو الشلان، ملا محسن التمليخة وملا عبيد الحساوي، وكانت أجورهم تتراوح بين 15 و50 روبية، ويليه في الأقدمية مأتم محمد علي أو المأتم الشمالي، وقد أسسه المرحوم محمد علي القادم من النبيه صالح، ومن أشهر خطبائه الملا علي بن فايز، وملا عطية الجمري، وملا سعيد العرب، وملا حسن بن الشيخ، وملا صنقور.
من المآتم الأخرى مأتم الحاج علي المطوع، مأتم سيد علي أو مأتم الإمام المنتظر، مأتم الحاج راشد، مأتم الإمام الهادي، ومأتم الإمام علي، أما مآتم النساء فتزيد على ثلاثين، وغالباً ما تكون على هيئة مجالس داخل البيوت.
جزيرة خصيفة، التي تبعد أمتاراً شمال قرية الدير، كانت تمثل متنفساً طبيعياً للسكان، وقد أنشأت الحكومة جسراً يصلها باليابسة، وكان الأهالي يزورونها في أوقات الجزر مشياً على الأقدام، أما اسمها فمشتق من كلمة خسف، وتروي الحكايات أن امرأة استخدمت رغيف خبز لتطهير طفلتها، فخسف الله بها الأرض، وتحولت إلى الجزيرة الحالية.
ويذكر الإنجليزي لوريمر في كتابه دليل الخليج أن جزيرة خصيفة تقع على بعد نصف ميل من الدير، وتحتوي على ثلاثة ينابيع عذبة تظهر عند الجزر، وترتفع عن سطح البحر بثمانية أقدام، ويشير الدكتور علي هلال إلى أن خصيفة كانت جزءاً من ذاكرة أهالي الدير وارتبطوا بها جيلاً بعد جيل، كما دخلت في الموروث الشعبي كقصة تُروى للأطفال حول الخسف والعبرة.
يطلق أهل الدير على الجزيرة اسم خصيفة بقلب السين إلى صاد، وهو أمر جائز لغوياً، والاسم مشتق من خسفة، تصغيراً، ويذكر المربي إبراهيم حسن مشهداً شتوياً رائعاً، حيث كانت النوارس تملأ السماء وتحط في جنوب الجزيرة هرباً من الرياح، وكانت خصيفة بيئة غنية بالأسماك الصغيرة كالميد والمنكوس، فكانت النوارس وطيور الصر تصطادها بنشاط.
كما شكلت الجزيرة استراحة للصيادين وجامعي الحشائش البحرية مثل العلوب، الخيضر، الليّن، الفريها، الجباس والنغول، وكلها تستخدم طعماً لأسماك الصافي والقرقفان، واشتهرت المنطقة المحيطة بها مثل لسفارة والحالة بكثافة هذه الحشائش، وكان من المهم جمعها وهي طازجة.
ما زاد من أهمية الجزيرة وجود لسان رملي في الجنوب شكل مرسى طبيعياً للقوارب الصغيرة، وقد تقلص طوله خلال الحرب العالمية الثانية بعد أن استخدمت القوات البريطانية رماله لأغراض عسكرية، وكان الشباب يرتادون الجزيرة في رحلات نهارية للترفيه والاستجمام.



