تاريخ ومزارات

الأرقم بن أبي الأرقم.. قصة الصحابي الذي احتضن الإسلام في أصعب أيامه

الصحابي الجليل الأرقم بن أبي الأرقم بن أسد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة المخزومي، من أوائل من دخلوا في الإسلام، وكان اسمه عبد مناف، وعرف بين قومه بالحكمة ورجاحة العقل، وعاش حتى أدرك خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

تاريخ الصحابي الأرقم

ويعد الأرقم من السابقين الأولين إلى الإسلام، فقد أسلم في وقت مبكر جدا من الدعوة، وذكر عدد من أهل السير أنه كان الرجل الثاني عشر الذي دخل الإسلام. كما شارك في الهجرة مع المهاجرين الأوائل، وشهد غزوة بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكافأه النبي يومها بسيف من الغنائم، ثم كلفه بعد ذلك بجمع الصدقات والإشراف عليها.

واكتسب الأرقم مكانة عظيمة في تاريخ الإسلام، لأن داره الواقعة عند أصل جبل الصفا أصبحت المقر السري الأول للدعوة الإسلامية في مكة. وعندما اشتد أذى المشركين على المسلمين، اجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذه الدار بعيدا عن أعين قريش، وظلوا فيها فترة من الزمن يدعون إلى الله ويتعلمون أمور دينهم. وبقي المسلمون يجتمعون في دار الأرقم حتى بلغ عددهم أربعين رجلا، وكان آخر من انضم إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما اكتمل هذا العدد خرج المسلمون وأعلنوا دعوتهم بقوة وثبات.

وفي السنوات الأولى من الدعوة، كانت دار الأرقم تمثل القلب النابض للإسلام في مكة المكرمة، إذ اجتمع فيها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الأوائل، وشهدت إسلام عدد كبير من كبار الصحابة الذين حملوا راية الإسلام بعد ذلك، كما شهدت إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان آخر من دخل الإسلام داخل هذه الدار المباركة.

وروى يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم عن عمه عبدالله وعن أهل بيته عن جده الأرقم، أنه استعد يوما للسفر إلى بيت المقدس رغبة في الصلاة فيه، وبعد أن أتم تجهيزاته توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليودعه. فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب سفره قائلا: ما الذي يدفعك إلى الخروج، أهي حاجة أم تجارة؟ فأجابه الأرقم قائلا: لا والله يا نبي الله، ولكنني أردت الصلاة في بيت المقدس. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن الصلاة في مسجده خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. فلما سمع الأرقم هذا الفضل العظيم عدل عن السفر وبقي في المدينة، ولم يغادرها. كما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر سيفا، وكلفه بمهمة الإشراف على الصدقات.

وجاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل أن عباد بن عباد المهلبي روى عن هشام بن زياد، عن عثمان بن الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، عن أبيه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نقل حديثا يبين حرمة أذية الناس يوم الجمعة، وفيه أن من يتخطى رقاب الناس ويفرق بين اثنين بعد خروج الإمام يكون جزاؤه شديدا.

أما في أواخر حياته، فقد ذكر عثمان بن الأرقم أن والده توفي سنة ثلاث وخمسين للهجرة، وكان عمره ثلاثا وثمانين سنة، بينما ذكرت روايات أخرى أنه توفي سنة خمس وخمسين للهجرة وقد تجاوز الثمانين من عمره. وقبل وفاته أوصى أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان سعد يومها موجودا في منطقة العقيق. وعندما حضر وقت الصلاة على الأرقم اعترض مروان بن الحكم على انتظار سعد، ورأى أن تبدأ الصلاة دون تأخير، لكن عبيد الله بن الأرقم رفض ذلك وتمسك بتنفيذ وصية والده، وساندته بنو مخزوم في موقفه، فدار نقاش بينهم قبل أن يصل سعد بن أبي وقاص ويؤم الناس في الصلاة عليه كما أوصى الأرقم.

وبعد ذلك دفن الأرقم بن أبي الأرقم في البقيع بالمدينة المنورة، بعدما قضى حياة حافلة بالإيمان والجهاد وخدمة الدعوة الإسلامية. وظل اسمه مرتبطا بأحد أهم الأماكن في تاريخ الإسلام، وهي دار الأرقم التي احتضنت الدعوة في بداياتها، وكانت شاهدة على ولادة مرحلة جديدة غيرت مجرى التاريخ، رضي الله عنه وأرضاه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى