بناء القطية في السودان.. بيت القش الذي تحول إلى رمز للكرم والتراث
أسماء صبحي – في مناطق واسعة من السودان خاصة في القرى والأرياف، لا تزال عادة بناء القطية حاضرة بقوة رغم التطور العمراني الحديث. والقطية هي منزل دائري يبنى من القش والأخشاب والطين ويتميز بسقف مخروطي يساعد على تخفيف حرارة الطقس. مما جعله جزءًا أصيلًا من التراث السوداني لقرون طويلة.
ولا ينظر إلى “القطية” باعتبارها مجرد مسكن تقليدي فقط، بل تعد رمزًا اجتماعيًا يعكس البساطة وروح التعاون بين الأهالي. إذ يشارك أفراد القرية غالبًا في بنائها بشكل جماعي.
بناء القطية في السودان
اعتمد السودانيون قديمًا على مواد طبيعية متوفرة في البيئة المحلية لبناء القطية مثل القش وسعف النخيل والأخشاب والطين. وهو ما جعل هذه البيوت قادرة على مقاومة الحرارة المرتفعة وتوفير تهوية طبيعية داخل المنزل.
ويتميز التصميم الدائري للقطية بقدرته على مواجهة الرياح والعواصف الرملية. بينما يساعد السقف المرتفع على إبقاء الأجواء الداخلية أكثر اعتدالًا مقارنة بالمنازل الإسمنتية في بعض المناطق الحارة. وفي ولايات مثل الأبيض ودارفور لا تزال بعض العائلات تفضل استخدام القطية حتى اليوم، سواء للسكن أو كاستراحة لاستقبال الضيوف.
بناء القطية يتحول إلى مناسبة اجتماعية
من أبرز ما يميز هذه العادة أن بناء القطية لا يتم بشكل فردي غالبًا. بل يتحول إلى نشاط جماعي يشارك فيه الأقارب والجيران. فيقوم الرجال بجمع الأخشاب والقش وتركيب الهيكل الأساسي. بينما تساعد النساء في تجهيز الطعام والمشروبات للعاملين وسط أجواء تشبه الاحتفال الشعبي. ويعتبر السودانيون هذه المشاركة نوعًا من التكافل الاجتماعي، إذ تساعد العائلات بعضها البعض في البناء دون انتظار مقابل مادي مباشر.
القطية رمز للضيافة السودانية
في كثير من القرى، تخصص “قطية” منفصلة لاستقبال الضيوف، حيث يجلس الزوار لتناول القهوة السودانية وتبادل الأحاديث الشعبية. وترتبط هذه العادة بثقافة الكرم المعروفة في المجتمع السوداني، إذ يحرص أصحاب المنازل على إبقاء مكان مخصص دائمًا لاستقبال المسافرين والضيوف. كما أصبحت بعض القرى السياحية والمخيمات التراثية تستخدم تصميم القطية لجذب الزوار الراغبين في التعرف على الحياة التقليدية في السودان.
التراث يواجه تحديات الحداثة
ورغم استمرار وجود القطية في مناطق عديدة، فإنها تواجه تراجعًا تدريجيًا بسبب التوسع العمراني واستخدام مواد البناء الحديثة. لكن مهتمين بالتراث السوداني يرون أن الحفاظ على هذا النوع من العمارة التقليدية مهم لأنه يمثل جزءًا من الهوية الثقافية للبلاد. كما أنه يعكس حلولًا بيئية ذكية اعتمد عليها السكان قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة.
ويؤكد باحثون أن بناء القطية ليس مجرد بيت من القش. بل سجل اجتماعي يحكي طبيعة الحياة السودانية القائمة على البساطة والتعاون والارتباط بالبيئة المحلية.



