“الحية بية”.. عادة بحرينية تودع العيد بأغاني الأطفال ورائحة البحر
أسماء صبحي – تعد عادة “الحية بية” واحدة من أكثر العادات الشعبية تميزًا في مملكة البحرين. إذ ترتبط بذكريات الطفولة وأجواء عيد الأضحى المبارك، وتمارس سنويًا في يوم عرفة وسط مشاركة واسعة من الأطفال والعائلات على السواحل والشواطئ. وتبدأ هذه العادة قبل العيد بأيام قليلة حين يقوم الأطفال بزراعة حبوب مختلفة مثل الشعير أو العدس في أوعية صغيرة. ثم يعتنون بها يوميًا حتى تنمو وتصبح خضراء. وعند حلول يوم عرفة يرتدي الأطفال الملابس التراثية التقليدية ويحملون تلك النباتات المزينة بالأشرطة الملونة ويتوجهون إلى البحر برفقة أسرهم.
وهناك يرددون الأهزوجة الشعبية الشهيرة: “حية بية… راحت حية ويات حية”. قبل أن يلقوا النباتات في مياه البحر في مشهد احتفالي يحمل دلالات رمزية متوارثة عبر الأجيال. وتعرف هذه العادة بأنها رسالة وداع رمزية للحجاج مع الدعاء لهم بالعودة سالمين إلى أوطانهم بعد أداء مناسك الحج.
عادة الحية بية
ارتبطت العادة بالبيئة البحرية التي شكلت جزءًا أساسيًا من تاريخ البحرين، لذلك تقام الاحتفالات غالبًا بالقرب من السواحل والمرافئ التاريخية. ومع غروب شمس يوم عرفة تتحول الشواطئ إلى تجمعات عائلية كبيرة يشارك فيها الأطفال والكبار في الأهازيج والفعاليات التراثية.
ويرى باحثون في التراث الشعبي أن استمرار هذه العادة يعكس قوة ارتباط البحرينيين بموروثهم الثقافي. خاصة أن البحر ظل لسنوات طويلة مصدر الرزق الرئيسي للسكان من خلال صيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ والتجارة البحرية. لذلك لم تكن “الحية بية” مجرد احتفال للأطفال، بل جزءًا من ذاكرة جماعية مرتبطة بتاريخ المجتمع البحريني نفسه.
الأزياء الشعبية تضيف لمسة تراثية
من أبرز مظاهر الاحتفال ارتداء الأطفال الملابس التقليدية البحرينية. فالفتيات يرتدين “البخنق” المطرز بخيوط الزري الذهبية، بينما يرتدي الأولاد الثوب التقليدي مع السديري والقحفية. مما يمنح المناسبة طابعًا تراثيًا مميزًا ويجعلها فرصة لتعريف الأجيال الجديدة بعادات الأجداد.
كما تحرص العديد من المؤسسات الثقافية والمدارس والجمعيات الأهلية في البحرين على تنظيم فعاليات خاصة بهذه المناسبة. تتضمن عروضًا فلكلورية ومسابقات للأطفال وورشًا للتعريف بتاريخ العادة وأهميتها الثقافية.
عادة صمدت أمام تغيرات العصر
ورغم التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية الكبيرة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، ما زالت “الحية بية” تحافظ على حضورها في المجتمع البحريني. بل إن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في زيادة انتشارها حيث يشارك المواطنون صور ومقاطع الاحتفالات سنويًا، مما ساعد على تعريف الأجيال الجديدة بهذا التراث الشعبي.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت مواقع تاريخية مثل ساحل بوماهر فعاليات واسعة لإحياء هذه المناسبة. وسط حضور عائلي كبير يعكس استمرار ارتباط البحرينيين بعاداتهم القديمة وحرصهم على نقلها للأبناء والأحفاد.
تراث صغير بحجم ذاكرة وطن
تمثل “الحية بية” أكثر من مجرد احتفال موسمي، فهي عادة تختزل مشاعر الفرح والحنين والانتماء، وتربط الأطفال بتاريخ مجتمعهم بطريقة بسيطة ومؤثرة. وبين أصوات الأهازيج الشعبية ومشهد النباتات وهي تنساب فوق مياه البحر، تستمر هذه العادة البحرينية كإحدى أجمل الصور التي تعكس تمسك الشعوب العربية بتراثها وهويتها الثقافية مهما تغيرت الأزمنة.



