موسم القتالة في العراق.. عادة تراثية قديمة مرتبطة بحياة الأهوار منذ قرون
أسماء صبحي– في جنوب العراق وتحديدًا في مناطق الأهوار الممتدة بين البصرة والناصرية. ما زالت عادة قديمة تعرف باسم “موسم القتالة” حاضرة في الذاكرة الشعبية. وهي تقليد موسمي مرتبط بصيد الأسماك في مواسم معينة من السنة حيث يتحول النهر إلى ساحة عمل جماعي تشارك فيه العائلات والقبائل المحلية.
ولا تعتبر هذه العادة مجرد نشاط اقتصادي لصيد السمك بل نظام اجتماعي متكامل يجمع بين العمل الجماعي، توزيع الأدوار، وتنظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية بشكل تقليدي متوارث عبر الأجيال.
موسم القتالة في الأهوار
يتجمع الرجال في هذا الموسم عند ضفاف الأنهار منذ الفجر حاملين أدوات الصيد التقليدية مثل الشباك والسلال والقوارب الصغيرة المصنوعة من القصب. وينقسم العمل بينهم بشكل واضح فهناك من يتولى توجيه القوارب. وآخرون مسؤولون عن جمع الصيد بينما يقوم البعض بفتح الممرات المائية داخل القصب لتسهيل الحركة.
ولا يبدو المشهد هنا كعمل فردي بل كمنظومة تعاون دقيقة كل فرد فيها يعرف دوره جيدًا. مما يجعل العملية أقرب إلى طقس جماعي منظم أكثر من كونها مجرد نشاط يومي.
توزيع الصيد
من أبرز ما يميز “القتالة” هو طريقة توزيع الأسماك بعد انتهاء الصيد. حيث يتم تقسيم المحصول بين المشاركين وفق نظام تقليدي يعتمد على الجهد المبذول ودور كل فرد في العملية.
ويعكس هذا النظام عدالة اجتماعية عرفتها المجتمعات النهرية في العراق منذ زمن طويل. حيث كان التعاون هو الأساس في ضمان استمرارية الحياة في بيئة تعتمد بالكامل على الطبيعة.
ارتباط العادة بحياة الأهوار
الأهوار العراقية ليست مجرد بيئة طبيعية بل نمط حياة كامل. و”القتّالة” جزء من هذا النمط الذي تشكل عبر قرون طويلة من التعايش مع الماء والطين والقصب. ورغم التغيرات البيئية والتقنيات الحديثة في الصيد ما زالت بعض المناطق تحافظ على هذه العادة. باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية لسكان الأهوار وليست مجرد وسيلة للرزق.
من عادة معيشية إلى تراث مهدد
اليوم تواجه “القتالة” تحديات حقيقية بسبب التغيرات المناخية وتراجع مستويات المياه في الأهوار. إضافة إلى دخول وسائل الصيد الحديثة التي قللت من الاعتماد على الطرق التقليدية. لكن رغم ذلك ما زالت هذه العادة تمارس في بعض القرى. وتحظى باهتمام الباحثين في التراث الشعبي العراقي باعتبارها جزءًا من الذاكرة الثقافية التي توثق علاقة الإنسان بالماء والطبيعة.
وتبقى “القتالة” أكثر من مجرد موسم صيد فهي قصة حياة كاملة عاشها سكان الأهوار. حيث يتحول العمل إلى تعاون، والنهر إلى مصدر للحياة، والجهد الفردي إلى فعل جماعي يصنع هوية مجتمع بأكمله.



