محمد عبد الغني الجمسي… الجنرال الذي أرعب أعداءه من خلف الطاولة وقاد النصر من قلب الخرائط

في قلب قرية البتانون بمحافظة المنوفية، وسط الحقول الهادئة ونسمات الريف التي تمر بين القطن والنخيل، وُلد محمد عبد الغني الجمسي في التاسع من سبتمبر عام 1921، وحمل منذ طفولته طموحا كبيرا لم يعرف حدودا، لم يكتف بحياة بسيطة مثل أقرانه، بل سعى لأن يكون جزءا من قصة أكبر، نشأ داخل أسرة ميسورة يعمل والده في تجارة الأراضي، لكنه تميز عن إخوته بأنه حصل على تعليم نظامي في وقت كان التعليم فيه امتيازا نادرا، ما منحه بداية مختلفة رسمت ملامح مستقبله.
من هو محمد عبد الغني الجسمي
عندما فتحت حكومة مصطفى النحاس أبواب الكلية الحربية أمام جميع الطبقات، أدرك الجمسي أن الفرصة جاءت في توقيتها الصحيح، فالتحق بها بكل عزيمة، وتخرج عام 1939 ضابطا في سلاح المدرعات، لتبدأ رحلته العسكرية التي امتلأت بالتحديات والخبرات، وفي الصحراء الغربية خلال أحداث الحرب العالمية الثانية، تابع واحدة من أعنف المواجهات العسكرية في التاريخ، وهي معركة العلمين، حيث دارت المعركة بين قوات برنارد مونتغمري وقوات إرفين رومل، وهناك لم يكتف بالمشاهدة بل استوعب دروس الحرب الحقيقية، واكتسب خبرة ميدانية شكلت شخصيته العسكرية.
انتقل بعد ذلك إلى مجال المخابرات الحربية، ثم عمل مدرسا بها، وواصل تطوير نفسه بالحصول على إجازة كلية القيادة والأركان عام 1951، ثم تخرج في أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 1966، ليصبح من أبرز العقول العسكرية التي تجمع بين الدراسة النظرية والخبرة العملية، لكن جاءت صدمة حرب يونيو 1967 لتضعه أمام اختبار صعب، فقرر تقديم استقالته إلى جمال عبد الناصر، إلا أن الرئيس رفضها وأدرك قيمته، وأسند إليه مهمة إعادة بناء الجيش، فتولى رئاسة هيئة التدريب ثم رئاسة هيئة العمليات عام 1972.
داخل غرفة العمليات وبين الخرائط الدقيقة، كتب الجمسي ما عرف لاحقا باسم كشكول الجمسي، وهو دراسة استراتيجية محكمة حددت بدقة توقيت العبور، واختارت يوم السادس من أكتوبر 1973 ليكون لحظة الحسم، مستندا إلى تحليل دقيق لقدرات العدو وإمكانات مصر وسوريا، فكان هذا الكشكول بمثابة دليل عملي للنصر، يجمع بين الحسابات العسكرية الصارمة والإيمان بقدرة المقاتل المصري.
مع اندلاع حرب أكتوبر 1973، ظهر دور الجمسي كمهندس للعمليات، حيث أدار التنسيق بين الخطط والتنفيذ بدقة شديدة، وتابع تفاصيل المعركة لحظة بلحظة، كما وضع خطة شاملة لتصفية الثغرة غرب القناة، وهي الخطة التي أقلقت إسرائيل بشدة، حتى أن موشيه دايان أشار إلى خطورتها في مذكراته، مؤكدا أنها كانت قادرة على إحداث خسائر كبيرة لو تم تنفيذها بالكامل.
لم يتوقف دوره عند الميدان، بل انتقل إلى طاولة التفاوض، حيث اختاره محمد أنور السادات لقيادة مفاوضات الكيلو 101 عام 1974، وهناك واجه الوفد الإسرائيلي بثبات كبير، حتى وصفته جولدا مائير بأنه الجنرال النحيف المخيف، وكان حازما في مواقفه، ورفض أي تنازل عن الأرض، وعندما طرح الجانب الإسرائيلي فكرة الاحتفاظ بمواقع في سيناء، رد بتحذير واضح بأن هذا سيؤدي إلى اندلاع حرب جديدة.
نال احترام شخصيات دولية عديدة، من بينهم هنري كيسنجر، الذي أكد أن الإسرائيليين يخشونه أكثر من أي قائد عربي، كما وصفه قادة إسرائيل في مذكراتهم بأنه هادئ في حديثه لكنه صارم في قراراته، لا يساوم على حقوق بلاده مهما كانت الضغوط.
تدرج الجمسي في المناصب حتى أصبح رئيس أركان حرب القوات المسلحة عام 1973، ثم وزير الحربية عام 1974، ثم نائبا لرئيس الوزراء وقائدا عاما للقوات المسلحة عام 1975، ثم مستشارا عسكريا عام 1978، قبل أن يحصل على رتبة مشير شرفي عام 1980، ليظل اسمه مرتبطا بأهم مرحلة في تاريخ مصر الحديث.
رحل الجمسي في السابع من يونيو عام 2003 عن عمر ناهز 82 عاما، بعد أن ترك إرثا عسكريا كبيرا، وحصل على أوسمة عديدة مثل وسام نجمة الشرف ووسام التحرير، لكن أهم ما تركه لم يكن الأوسمة، بل فكره العسكري وخططه التي صنعت النصر، وصموده في التفاوض، ليبقى واحدا من أبرز القادة العسكريين في التاريخ، ورمزا لعبقرية مصرية صنعت المجد من قلب التحديات.



