وطنيات

الشيخ سالم الهرش الرجل الذي أسقط مخطط فصل سيناء بكلمات هزت العالم

في صيف عام 1968 كانت رمال سيناء لا تزال تحمل آثار الهزيمة، وكانت شبه الجزيرة تعيش تحت الاحتلال الاسرائيلي الذي سعى بكل قوة لتغيير الواقع وفرض مشروع خطير يهدف إلى فصل سيناء عن مصر وتحويلها إلى كيان مستقل يخضع لسيطرته، لم يكن الأمر مجرد فكرة عابرة بل خطة مدروسة عملت عليها قيادات اسرائيلية بارزة مثل جولدا مائير وموشيه ديان، حيث عقدوا لقاءات مع عدد من شيوخ القبائل في سيناء وقدموا لهم الوعود والهدايا في محاولة لإقناعهم بفكرة الدولة المستقلة.

قصة الشيخ سالم الهرش

في المقابل كانت الأجهزة المصرية تتابع كل التحركات بدقة شديدة، حيث رصدت تفاصيل المخطط وبدأت في التعامل معه بذكاء، وكلفت الضابط السيناوي محمد اليماني بمهمة متابعة ما يحدث عن قرب والتنسيق مع شيوخ القبائل، ووضعت خطة تعتمد على الخداع الاستراتيجي، حيث يتظاهر المشايخ بالموافقة أمام الاحتلال بينما ينقلون كل التفاصيل إلى الجانب المصري، ليتم إفشال المخطط من الداخل دون إثارة الشكوك.

اختارت اسرائيل منطقة الحسنة في وسط سيناء لتكون مسرحا لإعلان مشروعها أمام العالم، وجهزت الحدث بعناية كبيرة، حيث حضرت وسائل الإعلام العالمية وكبار المسؤولين، وتم نصب خيمة ضخمة لاستقبال الحضور، وجلس داخلها شيوخ القبائل إلى جانب القادة الاسرائيليين وممثلين دوليين، وكان الجميع ينتظر اللحظة التي يتم فيها الإعلان عن قيام دولة سيناء.

في تلك اللحظة اختار الاسرائيليون الشيخ سالم الهرش شيخ قبيلة البياضية ليتحدث باسم أهل سيناء، ظنا منهم أنه سيؤيد المشروع أمام الكاميرات، لكنهم لم يدركوا أن الرجل كان يحمل ولاء ثابتا لمصر، وأنه يستعد لتوجيه ضربة قوية للمخطط كله.

قبل هذا المشهد بفترة، حاول الاحتلال فرض سيطرته على المجتمع السيناوي عبر توزيع هويات اسرائيلية على السكان، إلا أن الشيخ سالم لعب دورا محوريا في دعم العمل الوطني، حيث ساعد عناصر مصرية على الاندماج داخل البيئة البدوية، ودربهم على اللهجة والعادات، وقدمهم على أنهم من أقاربه، ما أتاح لهم التحرك بحرية وجمع المعلومات من داخل معسكرات العدو.

جاءت لحظة المؤتمر وبدأ القادة الاسرائيليون الحديث عن مستقبل سيناء كما يتصورونه، ثم وقف الشيخ سالم الهرش وسط الجميع، تحدث بهدوء في البداية ثم فاجأ الحضور بسؤال بسيط أربكهم، وبعد لحظات تحول صوته إلى موقف حاسم أعلن فيه أمام العالم أن سيناء مصرية ولن تكون إلا كذلك، وأكد أن القرار فيها يعود إلى جمال عبد الناصر، ورفض بشكل قاطع فكرة التدويل أو التخلي عن الأرض.

ساد الصمت داخل القاعة وتحولت الأجواء إلى حالة من الصدمة، حيث لم يتوقع أحد هذا الموقف، وانهار المشهد الذي أعد له الاحتلال بعناية، وغادر موشيه ديان المكان غاضبا بعد أن تلقى ضربة سياسية وإعلامية قوية، لتتحول كلمات الشيخ سالم إلى رسالة واضحة للعالم بأن سيناء جزء لا يتجزأ من مصر.

بعد هذا الموقف قرر الاحتلال الانتقام من الشيخ سالم، إلا أن التحرك السريع من الجانب المصري أنقذه، حيث تم تهريبه خارج سيناء في عملية دقيقة حتى وصل إلى الأردن، وهناك استقبله الأهالي بحفاوة كبيرة تقديرا لموقفه، قبل أن يعود لاحقا إلى مصر ويلتقي بالرئيس جمال عبد الناصر الذي كرمه تقديرا لدوره الوطني.

عاد الشيخ سالم بعد سنوات إلى سيناء عقب انتصار حرب أكتوبر 1973، ليشارك أهله فرحة استعادة الأرض، بعدما ساهم بكلماته ومواقفه في حماية الهوية المصرية لسيناء، وظل اسمه محفورا في الذاكرة كأحد أبرز رموز المقاومة الشعبية الذين واجهوا المخططات المعقدة بالإرادة والشجاعة.

هكذا تحول الشيخ سالم الهرش من شيخ قبيلة يعيش في صحراء سيناء إلى رمز وطني كبير، استطاع بكلمات صادقة وموقف ثابت أن يغير مسار حدث كامل، ويؤكد أن قوة الانتماء قد تهزم أعقد الخطط مهما كانت مدعومة بالقوة والنفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى