سيناء الحكاية التي لا تنتهي من أرض المعركة إلى طريق البناء والتنمية

تحتفل مصر في 25 ابريل بذكرى عيد تحرير سيناء، هذا اليوم الذي يحمل في طياته تاريخا طويلا من الصمود والتحدي، حيث نجح الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973 في تحقيق نصر أعاد للبلاد كرامتها وهيبتها، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل السياسي والدبلوماسي، لتبدأ بعدها مفاوضات السلام التي شكلت النهاية الحاسمة لصراع طويل بين مصر وإسرائيل، حتى تمكنت الدولة المصرية من استعادة كامل أراضيها، ورفعت العلم المصري فوق أرض سيناء في 25 ابريل 1982، لتعلن عودة الأرض إلى أصحابها بعد سنوات من الاحتلال وتؤكد أن الإرادة المصرية لا تنكسر أبدا.
رحلة تحرير سيناء بعد نكسة 1967
بدأت رحلة تحرير سيناء بعد نكسة 1967، حين دخلت القوات المسلحة مرحلة صعبة من المواجهة، وخاضت حرب الاستنزاف بكل قوة وعزيمة، ثم واصلت طريقها في حرب أكتوبر 1973 التي حققت فيها مصر إنجازا عسكريا كبيرا، دفع المجتمع الدولي للتدخل عبر مجلس الأمن لوقف القتال في 28 أكتوبر 1973، وبعدها بدأت مفاوضات الكيلو 101 التي مهدت لانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء على ثلاث مراحل، حيث انتهت المرحلة الأولى عام 1975 وشهدت استعادة مناطق استراتيجية مهمة وحقول البترول على الساحل الشرقي لخليج السويس، ثم جاءت المرحلتان الثانية والثالثة ضمن اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام عام 1979، وانتهت المرحلة الثانية في يناير 1980 بتحرير نحو ثلثي مساحة سيناء، ثم اكتملت المرحلة الثالثة بالانسحاب إلى الحدود الدولية الشرقية، حتى استعادت مصر سيناء كاملة في 25 ابريل 1982، ورفعت العلم المصري على رفح وشرم الشيخ، بعد احتلال دام 15 عاما، ليصبح هذا اليوم عيدا قوميا يخلد ذكرى استعادة كل شبر من أرض سيناء، باستثناء طابا التي عادت لاحقا بالتحكيم الدولي في 15 مارس 1989.
استحوذت سيناء على اهتمام واسع من المفكرين والباحثين والأدباء عبر التاريخ، حيث شكلت هذه الأرض محور العديد من الدراسات التي تناولت أهميتها الجغرافية والاستراتيجية، واهتمت بتوثيق تاريخها عبر العصور، فكانت دائما حاضرة في الكتابات التي تناولت مكانة مصر ودورها، نظرا لما تمثله سيناء من موقع فريد يجعلها بوابة الوطن الشرقية وخط الدفاع الأول عنه، كما أنها كانت مسرحا للأحداث الكبرى التي شكلت تاريخ المنطقة.
تناول الدكتور جمال حمدان في كتابه سيناء في الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا هذه المنطقة من مختلف الزوايا، حيث أكد أن مصر تملك أطول تاريخ حضاري معروف، بينما تمتلك سيناء سجلا عسكريا يعد من الأطول في العالم، موضحا أن أرضها شهدت عبر العصور العديد من الحملات العسكرية التي جعلتها واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية، وأشار إلى أن سيناء تمثل المدخل الأخطر لمصر، وأنها وحدة جيوستراتيجية متكاملة لكل جزء فيها قيمة كبيرة، كما شدد على أن مصرية سيناء حقيقة ثابتة لا تحتاج إلى إثبات، لأنها جزء أصيل من التراب الوطني عبر التاريخ، مثلها مثل باقي الأقاليم المصرية من أسوان حتى القاهرة، وأوضح أن الجدل حول موقع سيناء بين آسيا وإفريقيا لا يحمل قيمة حقيقية، لأن مصر جمعت بين الاثنين عبر تاريخها، واختتم برؤية تدعو إلى تعمير سيناء ضمن مشروع قومي شامل يوازي في أهميته ما تحقق من إنجازات عسكرية.
قدم نعوم شقير إسهاما مهما في توثيق تاريخ سيناء من خلال كتابه تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها، حيث جمع فيه معلومات واسعة عن طبيعة المنطقة وتاريخها وسكانها، واعتمد على مصادر متنوعة ووثائق مهمة، خاصة تلك المتعلقة بقضية طابا التي لعبت دورا حاسما في إثبات حق مصر، كما شارك بنفسه في أعمال لجنة ترسيم الحدود عام 1906 بين مصر وتركيا، وقدم معلومات دقيقة ساعدت في تثبيت الحدود، وتناول كتابه مختلف جوانب الحياة في سيناء من الجغرافيا إلى العادات والتقاليد، إلى جانب عرض تاريخ مصر والشام والعراق وجزيرة العرب وعلاقاتها عبر سيناء، ما جعل هذا العمل مرجعا مهما لفهم طبيعة هذه المنطقة الحيوية.
تناول خالد عكاشة في كتابه سيناء أرض المقدس والمحرم تاريخ هذه الأرض منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث، حيث استعرض الصراعات التي دارت حولها، بداية من الأطماع الصهيونية وصولا إلى ظاهرة التنظيمات الإرهابية، وطرح تساؤلات حول أسباب هذه الصراعات، كما ناقش أصل تسمية سيناء وتاريخها الديني، موضحا أنها كانت مهبطا للرسالات السماوية وممرا للأنبياء منذ أقدم العصور، واستعرض الأماكن المقدسة التي تحتضنها هذه الأرض، كما تناول تاريخها الحديث منذ عهد محمد علي واهتمامه بتأمين الحدود، مرورا بثورة يوليو 1952 وما تبعها من أحداث، وصولا إلى حرب 1967 ثم حرب أكتوبر 1973 ومعركة استرداد الأرض، ثم جهود الدولة في مواجهة الإرهاب الذي حاول التمركز في سيناء مستغلا طبيعتها الجغرافية وظروفها، إلا أن مصر واجهت هذه التحديات بقوة، وواصلت حماية أرضها وتأمينها، لتظل سيناء رمزا للصمود والتضحية وعنوانا دائما لقدرة المصريين على الدفاع عن وطنهم مهما كانت التحديات.



