محمد علي فهمي.. الرجل الذي حول سماء مصر إلى جحيم للطائرات المعادية
في صباح هادئ من يوم الحادي عشر من أكتوبر عام 1920، ولد طفل صغير في إحدى قرى محافظة الجيزة، دون أن يدرك أحد أن هذا الطفل سيصبح بعد سنوات طويلة واحدا من اهم القادة العسكريين في تاريخ مصر الحديث، وكان اسمه محمد علي فهمي، ومنذ طفولته ارتبط بعلاقة خاصة مع السماء، فقد اعتاد التأمل فيها لساعات طويلة، وكأن القدر كان يخبئ له مهمة عظيمة تتعلق بحماية الوطن من فوق السحاب.
نشأ محمد علي فهمي وسط بيئة مصرية بسيطة، لكنه حمل بداخله طموحا كبيرا ورغبة حقيقية في خدمة بلاده، ومع مرور السنوات، ازداد شغفه بالحياة العسكرية، حتى اتخذ قراره بدخول الكلية الحربية عام 1938، ليبدأ هناك اولى خطوات الرحلة التي ستقوده لاحقا إلى قيادة واحدة من اخطر واهم المعارك في تاريخ القوات المسلحة المصرية.
بداية المشوار العسكري وسط نيران الحرب العالمية
لم تكن الدراسة داخل الكلية الحربية سهلة، لكن محمد علي فهمي امتلك شخصية قوية وانضباطا شديدا جعلاه يتفوق وسط زملائه، وبعد تخرجه عام 1939، التحق بسلاح المدفعية المضادة للطائرات، وهو السلاح الذي ارتبط به طوال حياته العسكرية.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وجد نفسه في قلب اجواء الحرب الحقيقية، حيث شاهد الطائرات والمعارك والانفجارات عن قرب، وهناك تعلم كيف يواجه الخوف، وكيف يحول القلق إلى قوة وصلابة، واكتسب خبرات عسكرية كبيرة في التعامل مع الهجمات الجوية والدفاع عن المواقع الحيوية.
ومع مرور الوقت، بدأ اسمه يبرز داخل المؤسسة العسكرية باعتباره ضابطا يمتلك رؤية مختلفة وقدرة عالية على القيادة والتنظيم.
تأسيس قوات الدفاع الجوي المصرية
استمرت رحلة محمد علي فهمي داخل القوات المسلحة، وتدرج في المناصب العسكرية بثبات حتى جاء عام 1969، وهو العام الذي شكل نقطة تحول كبرى في حياته وفي تاريخ الجيش المصري كله.
في ذلك الوقت، قررت الدولة المصرية إنشاء قوات الدفاع الجوي كفرع مستقل داخل القوات المسلحة، بعدما أصبحت الغارات الجوية الاسرائيلية تمثل خطرا يوميا على المدن والقواعد العسكرية المصرية عقب نكسة 1967.
واختارت القيادة المصرية محمد علي فهمي لقيادة هذا السلاح الجديد، وهي مهمة لم تكن سهلة على الاطلاق، لأن السماء المصرية وقتها كانت مفتوحة امام الطائرات الاسرائيلية التي كانت تنفذ غاراتها بحرية كاملة ثم تعود دون خسائر تذكر.
مهمة شبه مستحيلة من جمال عبد الناصر
شعر المصريون وقتها بحالة من القهر، بعدما تحولت السماء إلى ساحة مستباحة للطائرات المعادية، وكانت الغارات الاسرائيلية تضرب العمق المصري بشكل متكرر، بينما عجزت وسائل الدفاع القديمة عن التصدي لها بالشكل المطلوب.
في تلك الظروف الصعبة، استدعى الرئيس جمال عبد الناصر القائد محمد علي فهمي، وكلفه بمهمة تاريخية بدت للكثيرين مستحيلة، وهي بناء درع دفاعي يحمي سماء مصر ويمنع الطائرات الاسرائيلية من اختراقها.
حمل محمد علي فهمي هذه المسؤولية فوق كتفيه، وبدأ على الفور دراسة كل التفاصيل المتعلقة بتطوير الدفاع الجوي المصري، وسافر إلى الاتحاد السوفيتي للحصول على احدث منظومات الصواريخ والخبرات العسكرية، ثم عاد إلى مصر وهو يحمل خطة ضخمة لبناء شبكة دفاع جوي غير مسبوقة.
بداية ملحمة حائط الصواريخ
من قلب الصحراء المصرية بدأت واحدة من اعظم الملاحم العسكرية في تاريخ العرب، وهي ملحمة حائط الصواريخ.
تحولت الرمال إلى ورش عمل مفتوحة، وبدأ الجنود والمهندسون في بناء قواعد الصواريخ والتحصينات الخرسانية تحت ظروف بالغة الصعوبة، كانت الطائرات الاسرائيلية تراقب كل شيء وتحاول تدمير المواقع قبل اكتمالها، لكن المصريين واصلوا العمل رغم القصف والخطر المستمر.
لم يكن بناء حائط الصواريخ مجرد مشروع عسكري، بل كان معركة ارادة حقيقية بين شعب يريد استعادة كرامته وعدو يعتقد أن التفوق الجوي سيمنحه السيطرة الكاملة على المنطقة.
معركة بورسعيد واستشهاد كتيبة كاملة
في العشرين من يوليو عام 1969، تعرضت احدى كتائب الدفاع الجوي في بورسعيد لهجوم جوي عنيف شاركت فيه عشرات الطائرات الاسرائيلية.
قاتل الجنود المصريون حتى اللحظة الاخيرة، واستشهد جميع افراد الكتيبة وعلى رأسهم الرائد رجب عباس، لكن هذه الدماء لم تكسر عزيمة المصريين، بل زادتهم اصرارا على استكمال بناء حائط الصواريخ مهما كانت التضحيات.
تحولت قصة الكتيبة إلى رمز للصمود والفداء، وادرك الجميع أن المعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة وجود وكرامة وطن.
الفواعلية.. الجنود المجهولون في معركة السماء
وراء الجنود والضباط، وقف رجال بسطاء لعبوا دورا عظيما في بناء حائط الصواريخ، وعرفهم المصريون باسم الفواعلية.
جاء هؤلاء العمال من قرى الصعيد والوجه البحري، يحملون معاولهم ويعملون لساعات طويلة وسط القصف والخطر، وكانوا يبنون المواقع العسكرية ثم يعودون لاعادة بنائها من جديد بعد تدميرها.
اكلوا الخبز الجاف والبصل، وناموا فوق الرمال، وتحملوا حرارة الصحراء وقسوة الحرب دون شكوى، وكانوا يدركون أن ما يبنونه ليس مجرد قواعد صواريخ، بل جدار يحمي مصر كلها من العدوان.
سام 3 وتغير موازين المعركة
في أبريل عام 1970، بدأت بطاريات صواريخ سام 3 تظهر قرب قناة السويس، وبدأت معها مرحلة جديدة من المواجهة.
شعرت اسرائيل بالخطر، فحاولت بكل قوتها تدمير مواقع الدفاع الجوي قبل اكتمال انتشارها، لكن القوات المصرية كانت قد وصلت إلى مستوى عال من الجاهزية والتنظيم.
ثم جاء يوم الثلاثين من يونيو عام 1970، وهو اليوم الذي سيظل محفورا في ذاكرة العسكرية المصرية.
اليوم الذي سقطت فيه الفانتوم
في ذلك اليوم، انطلقت الطائرات الاسرائيلية بكامل قوتها، معتقدة أنها ستكرر غاراتها المعتادة دون مقاومة حقيقية، لكن المفاجأة كانت قاسية وصادمة.
فجأة اشتعلت السماء بالصواريخ المصرية، وتحولت الاجواء إلى جحيم حقيقي للطائرات المعادية، وخلال دقائق قليلة، نجحت قوات الدفاع الجوي المصرية في اسقاط ثماني طائرات اسرائيلية، بينها طائرات فانتوم الحديثة التي كانت اسرائيل تعتبرها سلاحا لا يهزم.
واسر المصريون عددا من الطيارين، وادركت اسرائيل للمرة الاولى أن السماء المصرية لم تعد مفتوحة كما كانت.
اكتمال حائط الصواريخ وحماية العبور
استمرت بعد ذلك محاولات الطيران الاسرائيلي لاختراق الدفاعات المصرية، لكنه اصطدم في كل مرة بحائط من الصواريخ والنيران.
ومع مرور الوقت، اكتمل حائط الصواريخ ليصبح اكبر شبكة دفاع جوي في العالم وقتها، ممتدا بطول قناة السويس وعمق عشرات الكيلومترات داخل الاراضي المصرية.
بنى هذا الحائط الجنود والمهندسون والفلاحون المصريون، وامتزجت في بنائه دماء الشهداء بعرق الرجال ودموع الامهات.
وعندما اندلعت حرب أكتوبر عام 1973، لعب حائط الصواريخ دورا حاسما في حماية القوات المصرية اثناء عبور قناة السويس، ومنع الطيران الاسرائيلي من تدمير الكباري ورؤوس الجسور، ولذلك اعتبره كثير من الخبراء احد اهم اسباب النصر المصري في الحرب.
رحيل القائد وبقاء الاسطورة
في الحادي عشر من سبتمبر عام 1999، رحل المشير محمد علي فهمي بعد رحلة طويلة من الكفاح والعطاء الوطني، لكنه ترك خلفه تاريخا عظيما سيظل حاضرا في ذاكرة المصريين والاجيال القادمة.
لم يكن محمد علي فهمي مجرد قائد عسكري، بل كان رجلا آمن بأن المستحيل يمكن هزيمته، وأن الشعوب القادرة على التضحية تستطيع تغيير التاريخ مهما كانت التحديات.
اما حائط الصواريخ، فلم يكن مجرد شبكة دفاع جوي او مشروع عسكري عابر، بل تحول إلى رمز لصمود شعب كامل قرر أن يقف من جديد بعد الهزيمة، فصنع نصرا أعاد لمصر كرامتها وهيبتها في السماء وعلى الارض.



