عبد الحليم ابو غزالة.. المشير الذي تحدى الضغوط ورفض التخلي عن رجاله
في قرية هادئة تحمل اسم زهور الامراء التابعة لمركز الدلنجات بمحافظة البحيرة، ولد المشير عبد الحليم ابو غزالة في الاول من يناير عام 1930، كما نشأ وسط بيئة ريفية بسيطة، لكن طموحه تجاوز حدود القرية والحياة التقليدية منذ سنواته الاولى، كما امتلك شخصية قوية وروحا تميل الى الانضباط، وكان يؤمن ان الوطن يحتاج الى رجال يحملون المسؤولية قبل ان يحملوا السلاح.
وفي عام 1947، خطا اولى خطواته نحو الحياة العسكرية عندما التحق بالكلية الحربية، لم يتأخر كثيرا في اثبات جدارته، فتخرج في فبراير عام 1949، واختار سلاح المدفعية ليبدأ من خلاله رحلة طويلة من الكفاح والعمل العسكري، رأى في الجيش طريقا لحماية مصر، واعتبر العسكرية رسالة شرف وليست مجرد وظيفة.
سنوات الحرب وصناعة القائد
دخل عبد الحليم ابو غزالة ميدان المعارك مبكرا، فشارك وهو لا يزال طالبا في حرب فلسطين عام 1948، واكتسب من تلك التجربة خبرة صنعت شخصيته العسكرية لاحقا، وبعدها عاش كل التحولات الكبرى التي مرت بها مصر، فشهد العدوان الثلاثي عام 1956، ثم واجه مرارة نكسة يونيو عام 1967، قبل ان يشارك في حرب الاستنزاف التي خاضتها القوات المصرية بشجاعة حتى عام 1970.
لكن حرب اكتوبر عام 1973 كانت اللحظة الاهم في تاريخه العسكري، هناك ظهر اسمه بقوة بين كبار القادة، بعدما تولى قيادة مدفعية الجيش الثاني، وقدم اداء عسكريا مميزا ساهم في تحقيق الانتصار المصري العظيم، اعتمد على التخطيط الدقيق وسرعة التحرك، واستطاع ان يدير المعركة بكفاءة كبيرة جعلت الكثيرين ينظرون اليه باعتباره واحدا من اهم العقول العسكرية في تلك المرحلة.
رحلة الصعود داخل المؤسسة العسكرية
لم يتوقف دور ابو غزالة عند حدود المعارك فقط، بل واصل تقدمه داخل المؤسسة العسكرية بثبات، كما امتلك قدرة واضحة على الادارة والتخطيط، لذلك اسندت اليه مناصب مهمة داخل القوات المسلحة وفي عام 1976، تولى منصب الملحق العسكري المصري في الولايات المتحدة، واستمر في هذا الموقع حتى عام 1980، حيث تابع عن قرب التطور العسكري العالمي واكتسب خبرات اضافية دعمت رؤيته المستقبلية.
وبعد عودته الى مصر، تولى منصب رئيس اركان حرب القوات المسلحة عام 1980، ثم اصبح وزيرا للدفاع والانتاج الحربي عام 1981، وبعد عام واحد فقط، عين نائبا لرئيس مجلس الوزراء، في خطوة عكست حجم الثقة التي حصل عليها داخل الدولة، وفي عام 1989، تولى منصب مساعد رئيس الجمهورية، بعدما اصبح اسمه واحدا من اكثر الشخصيات حضورا في الحياة السياسية والعسكرية المصرية.
حلم القوة العسكرية المستقلة
حمل المشير عبد الحليم ابو غزالة مشروعا اكبر من المناصب الرسمي، كان يؤمن ان مصر لا بد ان تمتلك قوة عسكرية مستقلة، وان تعتمد على نفسها في تطوير اسلحتها وقدراتها الدفاعية، ومن هنا ظهر مشروع كوندور 2، وهو مشروع طموح لتطوير صاروخ بعيد المدى بالتعاون مع الارجنتين والعراق.
عمل الخبراء والمهندسون المصريون على المشروع بسرية كاملة، واعتبره ابو غزالة خطوة استراتيجية تمنح مصر قدرة ردع حقيقية، لكن المشروع جذب انتباه الولايات المتحدة بسرعة، وبدأت واشنطن تتابع تفاصيله بقلق كبير، ثم مارست ضغوطا متواصلة على القاهرة من اجل وقف العمل فيه وتسليم المهندسين المشاركين بالمشروع الى المحاكمة.
الموقف الذي صنع اسطورته
في تلك اللحظة الصعبة، وقف عبد الحليم ابو غزالة بثبات نادر رفض بشكل قاطع تسليم اي مهندس او ضابط شارك في المشروع، واعتبر ان هؤلاء الرجال نفذوا اوامره المباشرة، لذلك يتحمل هو وحده المسؤولية الكاملة امام الجميع.
وقال عبارته الشهيرة التي بقيت حاضرة في ذاكرة المصريين حتى اليوم:
لن اسلم رجلا من رجالي، هؤلاء ينفذون اوامري، وانا وحدي المسؤول عنهم.
تحولت هذه الكلمات الى رمز للوفاء والشجاعة، ورأى فيها كثيرون موقفا يجسد معنى القيادة الحقيقية، حين يتحمل القائد المسؤولية كاملة ولا يترك رجاله يواجهون المصير وحدهم.
النهاية الصامتة والعودة من جديد
دفع ابو غزالة ثمن موقفه غاليا، ففي مارس عام 1989، غادر منصب وزير الدفاع، وعين مستشارا لرئيس الجمهورية، في خطوة اعتبرها كثيرون ابعادا سياسيا اكثر منها تكريما وبعد ذلك، ابتعد عن الظهور الاعلامي وعاش سنواته الاخيرة بعيدا عن المشهد العام.
وفي سبتمبر عام 2008، رحل عن الدنيا في صمت، دون مراسم تليق بحجم تاريخه العسكري ودوره الوطني الكبير، لكن الزمن لم ينجح في طمس سيرته، وظل اسمه حاضرا داخل ذاكرة المصريين باعتباره قائدا امتلك الشجاعة والكرامة والوفاء.
ومع السنوات، عاد اسم المشير عبد الحليم ابو غزالة الى الواجهة من جديد في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث حملت دفعات عسكرية اسمه، وظهرت صوره في احتفالات التخرج العسكرية، ليبقى رمزا لقائد رفض التفريط في رجاله، وتمسك بموقفه حتى النهاية.



