تاريخ ومزارات

من الفقراء إلى الملوك.. كيف اختلفت أساليب التحنيط في مصر القديمة؟

ارتبطت عقيدة البعث والخلود لدى المصريين القدماء ارتباطًا وثيقًا بالحفاظ على الجسد بعد الوفاة، إذ اعتبروا أن بقاء الجسد سليمًا يمثل أساسًا ضروريًا لاستمرار الروح وكيانها المتمثل في «الكا» و«البا» خلال رحلتها في العالم الآخر.

ومن هذا الإيمان العميق، ابتكر المصري القديم وسائل متطورة لحفظ أجساد الموتى عبر العصور المختلفة، بدأت بمرحلة عرفت باسم «الحفظ الطبيعي» خلال عصر ما قبل الأسرات، حيث كان المتوفى يدفن في الرمال الجافة والحارة للصحراء بعد لفه بقطع من القماش أو الجلود.

وكانت حرارة الشمس والرمال تتولى تجفيف سوائل الجسد تدريجيًا، مما يحد من تحلله ويحفظه بصورة طبيعية، وهو ما شكل مصدر إلهام للمصريين القدماء في تطوير فكرة الخلود وحفظ الأجساد.

بداية التحنيط

ومع تطور المعتقدات الدينية والمعارف العلمية، انتقل المصريون القدماء إلى مرحلة أكثر تقدمًا تمثلت في «التحنيط الصناعي»، الذي أصبح نظامًا متكاملًا لحفظ الجسد.

وتعود البدايات الأولى لهذه التقنية إلى عصور مبكرة للغاية، حيث تكشف المكتشفات الأثرية في مقبرة الملك «جر» بمنطقة أبيدوس عن ملامح أولى لممارسات التحنيط التي تطورت لاحقًا إلى علم متكامل.

الطبقة الاجتماعية للمتوفى وعلاقتها بالتحنيط

ولم تكن طرق التحنيط واحدة لدى جميع أفراد المجتمع، بل شهدت تطورًا مستمرًا واختلفت بحسب المكانة الاجتماعية للمتوفى.

ففي حالة الفئات الفقيرة ومحدودي الدخل، كانت تستخدم أساليب أبسط لا تتضمن استخراج الأعضاء الداخلية، وإنما تعتمد على غسل الجسد بالماء ومعالجته بملح النطرون بهدف تجفيفه والحفاظ عليه.

أما أفراد الطبقات الثرية والنخبة في المجتمع المصري القديم، فكانوا يحظون بعمليات تحنيط أكثر تعقيدًا ودقة، وفق طقوس جنائزية متكاملة.

وكانت العملية تبدأ باستخراج الأحشاء والأعضاء الداخلية بعناية للحد من عملية التحلل، ثم تنظيف تجاويف الجسد باستخدام خليط من الزيوت العطرية الفاخرة وزيت النخيل.

وفي إطار المعتقدات الدينية السائدة آنذاك، كان المحنطون يحرصون على إبقاء القلب داخل الجسد بعد تحنيطه، لاعتباره مركز الفكر والمشاعر وموضع تسجيل أعمال الإنسان التي سيحاسب عليها أمام محكمة أوزيريس في العالم الآخر.

وبعد ذلك، كان الجسد يغطى بالكامل بملح النطرون لفترة طويلة تضمن تجفيف الجلد والتجاويف الداخلية بصورة كاملة، وهي التقنية التي وصلت إلى أعلى مستوياتها من الإتقان خلال عصر الدولة الحديثة، الذي يعد العصر الذهبي لفنون التحنيط المصرية القديمة.

تحنيط الحيوانات

ولم تقتصر طقوس الحفظ والتحنيط على البشر فقط، بل امتدت لتشمل الحيوانات والطيور التي حظيت بمكانة مقدسة لدى المصريين القدماء.

فقد استخدموا أساليب علمية متطورة لتحنيطها، تشابه إلى حد كبير التقنيات المستخدمة في تحنيط البشر، مع إجراء تعديلات خاصة تتوافق مع التركيب التشريحي لكل نوع من الحيوانات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى