تاريخ ومزارات

«سبيل الرحمة».. حكاية نقيب الأشراف في حضرة الإمام الشافعي

في قلب قرافة الإمام الشافعي، حيث يلتقي عبق التاريخ بسكينة المكان، يقف سبيل وقبة نقيب الأشراف شاهدين على عصرٍ كانت فيه أعمال الخير تخلّد أسماء أصحابها في ذاكرة العمارة والروح المصرية، لم يكن هذا البناء مجرد مدفن، بل رسالة إنسانية عنوانها الماء والرحمة، تمتد بركتها إلى كل عابر سبيل.

يقع سبيل ومدفن نقيب الأشراف في شارع الإمام الليث بمنطقة قرافة الإمام الشافعي، وهو معلم يجمع بين الوظيفة الخيرية والضريح الجنائزي، شيده الفقيه الشريف حسن بازناده أفندي، نقيب الأشراف في مصر، سنة 1116هـ / 1704م، خلال ولاية محمد باشا رامي، حين كانت مصر ولاية تابعة للدولة العثمانية وعاصمتها إسطنبول.

سبيل لسقيا العطشى

أنشئ السبيل في شارع سيدي عقبة بمنطقة الإمام الشافعي ليكون مصدرًا للماء العذب للمارة، في إطار تقليد معماري وإنساني ازدهر خلال العصر العثماني، حيث اعتبر توفير المياه من أعظم أعمال البر.

ونقش أعلى شباك التسبيل نص تأسيسي جاء فيه: “أنشأ هذا السبيل ابتغاء مرضاة الله تعالى الفقيه السيد حسن بازناده نقيب الأشراف بمصر سنة 1116هـ”، في إشارة صريحة إلى نية الوقف الخيري وطلب الدعاء ممن يشرب من مائه.منصب نقيب الأشراف

الأشراف هم المنتمون إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتولى شؤونهم «نقيب الأشراف»، وهو منصب رسمي بارز يتكفل بحفظ سجلات الأنساب، والإشراف على توزيع المخصصات المالية والعينية المقررة لهم من خزينة الدولة.

كما توضح الدراسات الأثرية أن الدولة العثمانية حرصت على تعيين نقيب تركي للأشراف في مصر لضمان ارتباط المنصب بالسلطة المركزية في إسطنبول.

ويذكر الرحالة العثماني أوليا جلبي، الذي زار مصر سنة 1092هـ / 1680م، في كتابه سياحتنامه، أن عدد الأشراف في القاهرة وسائر القطر المصري الخاضعين لإشراف النقيب بلغ نحو 46 ألف نسمة، وكان استقبال الوالي العثماني الجديد يتحول إلى مشهد مهيب تتصدره العمائم الخضراء، اللون المميز للأشراف، وهم يسيرون في صفوف منتظمة على ظهور الخيل تحت ما عرف بالعلم المحمدي.

عائلة تولت النقابة

نالت عائلة الشريف حسن أفندي مكانة رفيعة لدى الدولة العثمانية، إذ سبق أن تولى المنصب جده ووالده وعمه. ويروي أحمد شلبي بن عبد الغني الحنفي في كتابه أوضح الإشارات أن حسن أفندي توفي يوم الجمعة 7 رجب سنة 1121هـ / 1709م، ودفن بالقرافة في جنازة حاشدة حضرها الخاصة والعامة.

وبوفاته خرج منصب النقابة من أسرته، إذ لم يترك سوى ابنة واحدة كان قد زوّجها قبل أيام قليلة من وفاته.

وفي اليوم التالي تولى السيد مصطفى بن السيد أحمد الرفاعي المنصب مؤقتًا، إلى حين صدور قرار التعيين من العاصمة العثمانية.

قيمة أثرية وروحية

كما يمثل سبيل وقبة نقيب الأشراف نموذجًا مميزًا للعمارة الخيرية الجنائزية في العصر العثماني بمصر، حيث يتلاقى العمل الصالح مع تخليد الذكرى. فالماء لم يكن مجرد خدمة للمارة، بل وسيلة لاستمرار الدعاء، وتجسيدًا لعلاقة ممتدة بين الأرض والسماء في قلب القاهرة التاريخية.

ويظل السبيل شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الإدارة الدينية والاجتماعية في مصر، حين كانت قرافة الإمام الشافعي مساحة نابضة بالعلم والروحانية، وذاكرةً حية لرجال تركوا أثرهم في الحجر كما تركوه في القلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى