تدخين الشَّبَك في مصر.. حكاية الغليون العثماني الطويل وكيف عرفه المصريون؟

هل سمعت يومًا عن تدخين الشَّبَك (أو الشَّبَك/الشِّبُوق كما تذكره بعض المصادر) في مصر؟ لقد كان هذا النوع من التدخين معروفًا قبل القرن العشرين، وشكل جانبًا من تاريخ المصريين مع التبغ، وتوضح دراسات متحف آثار مكتبة الإسكندرية أن هذا النوع من الغلايين الطويلة ظهر في الدولة العثمانية مع بدايات القرن السابع عشر في تركيا، ثم انتشر لاحقًا في أرجاء الإمبراطورية العثمانية وأوروبا، باعتباره أداة تدخين ذات قصبة طويلة تساعد على تبريد الدخان وتنقيته قبل وصوله إلى فم المدخن.
ما هو الشبك وما أصل الاسم؟
تعرف المراجع المتخصصة الشَّبَك على أنه نوع من الغليون الطويل، يتكون من ثلاثة أجزاء أساسية: رأس مصنوع من الفخار أو الخزف يوضع فيه التبغ، وقصبة خشبية طويلة قد يتجاوز طولها مترًا أو مترين، إضافة إلى «مبسم» يصنع من الكهرمان أو العاج أو أحد المعادن النفيسة، ويتصل بطرف القصبة.
وفي وصف تفصيلي أورده إدوارد لين في كتابه المصريون المحدثون حول عادات المصريين في القرن التاسع عشر، أشار إلى أن طول الشبك قد يصل إلى أربع أو خمس أذرع، وأن قصبته كانت تصنع من خشب خفيف، وأحيانًا تغطى بقماش ملون أو حرير مزخرف بشرابات، بينما يصنع الرأس من الفخار المحروق، ويزين المبسم بالكهرمان المطعم بالذهب.
كما تذكر دراسات معجمية حديثة، من بينها «معجم فرج للعامية المصرية» كما ينقل عنه بعض الباحثين، أن لفظ «الشبك» ارتبط بهذا الغليون الطويل المغلف بالقماش والمزخرف، وكان يختلف عن النارجيلة (الشيشة) القصيرة وعن السجائر التي لم تكن قد انتشرت آنذاك.
الشبك فى الحياة اليومية
يرصد إدوارد لين انتشار الشَّبَك في مصر خلال القرن التاسع عشر باعتباره عادة متجذرة لا تكاد تفارق الرجال في المقاهي والمنازل، إذ كان البعض يبدأ يومه بالقهوة وتدخين الشبك، ويحمله معه أينما ذهب، حتى إن عددًا من الأثرياء كانوا يستعينون بخادم خاص يسير خلفهم حاملًا الشبك المشتعل، ويتولى تجهيز التبغ لهم كلما أرادوا التدخين.
كما تؤكد دراسة للدكتورة هيام صابر بعنوان «الدخان والمجتمع المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر» أن تدخين التبغ بمختلف أشكاله – ومن بينها الشبك – تحوّل في تلك الفترة إلى ظاهرة اجتماعية واسعة، لم تقتصر على الرجال فحسب، بل شملت النساء أيضًا، لا سيما من الطبقات الوسطى والعليا، حيث ظهر ما عرف في المصادر باسم «تدخين الشبك» بين بعض السيدات، وتميزت غلايينهن بشكل أكثر دقة وزخرفة، وسط جدل اجتماعي حول مدى قبول هذه العادة أو رفضها.
مهن مرتبطة بالشبك
لم يكن الشَّبَك مجرد أداة شخصية، بل نشأت حوله مهن متكاملة في مدينة القاهرة، يذكر د. نبيل السيد الطوخي في كتابه طوائف الحرف فى مدينة القاهرة فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، كما تنقل عنه دراسات حديثة، أن فئة من العمال عرفت باسم «الشبكشية» أو «المسلكاتية» كانت تتولى تنظيف الشبك، وإزالة الرواسب من القصبة، وإعادة تسليكها مقابل أجر بسيط.
كما تشير المصادر إلى أن عدد هؤلاء «المسلكاتية» – وفق إحصاء أورده علي مبارك في كتابه الخطط التوفيقية – بلغ عدة عشرات، وكانوا يجوبون المقاهي والأحياء الشعبية حاملين أدوات بسيطة لتنظيف قصبات الشبك ورؤوسه، في مشهد يعكس كيف تحول هذا الغليون الطويل إلى حرفة قائمة بذاتها لها صناعها وزبائنها.
من الاستعمال اليومى إلى قاعات المتاحف
مع تعاقب الزمن، ولا سيما بعد انتشار السجائر المصنعة والنارجيلة الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت مكانة الشَّبَك تتراجع تدريجيًا حتى أصبح من العادات التي شارفت على الاندثار. واليوم، يظهر هذا الغليون الطويل غالبًا في المتاحف والصور التاريخية القديمة.
كما يعرض متحف آثار مكتبة الإسكندرية نموذجًا محفوظًا تحت مسمى «غليون شبك للتدخين» يعود إلى عصر محمد علي، ويتكون من قصبة خشبية طويلة مكسوّة بقماش حريري ملون، ورأس من الفخار، ومبسم من الكهرمان، ويصل طوله إلى نحو 160 سم، ويشير المتحف إلى أن هذا الغليون ينتمي إلى نمط الغلايين العثمانية الطويلة (chibouque) التي انتشرت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكان لها تأثير واضح في مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.



