اللواء بحري عماد الدين مدكور.. عقل منضبط وقلب جسور في سجل البحرية المصرية
أسماء صبحي – حين يذكر اسم اللواء بحري عماد الدين مدكور، يتبادر إلى الذهن نموذج القائد الصارم المنضبط الذي يجمع بين الجرأة في اتخاذ القرار والقدرة الفائقة على كتمان الأسرار. فلم يكن مجرد ضابط بحري أدى واجبه، بل كان أحد الرجال الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ القوات البحرية المصرية سواء في ميادين القتال أو في ساحات الإدارة المدنية لاحقًا.
ولد في القاهرة في 15 نوفمبر 1921 وتلقى تعليمه حتى حصل على شهادة التوجيهية عام 1939/1940. ثم التحق بجامعة فاروق الأول قبل أن يختار طريق العسكرية فالتحق بالكلية الحربية. ليكون من بين أوائل من شكلوا نواة السلاح البحري المصري.
رحلة اللواء بحري عماد الدين مدكور
مع الإعلان عن إنشاء السلاح البحري تم اختيار 16 طالبًا فقط من بين المتقدمين وكان عماد مدكور أحدهم لتبدأ رحلة التأسيس الحقيقي للبحرية المصرية. انتقلوا إلى الإسكندرية حيث تلقوا دراستهم على الطوافة “الأمير فاروق” ومعسكر السواحل بالمكس. حتى أنهوا دراستهم في يوليو 1945 ونالوا رتبة الملازم ثان في 11 فبراير 1946.
في أبريل من العام نفسه، سافرت الدفعة إلى مالطا على متن سفينة حربية بريطانية. ثم توزعوا على سفن الأسطول البريطاني فزاروا ميناء حيفا عام 1946 وموانئ البحر الأحمر. قبل أن يلتحقوا بمدارس بحرية تخصصية في مدينة بورتسموث الإنجليزية ليجمعوا بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي.
وخلال وجودهم بالخارج، صدر المرسوم الملكي بإنشاء السلاح البحري الملكي ليكونوا رسميًا من رواد هذا السلاح الوليد.
دور بارز في حرب فلسطين
عقب عودته أواخر عام 1947، عين أركان حرب للكلية البحرية، واستقبل الدفعة الأولى بحرية بعد المرحلة الإعدادية. ثم تولى قيادة ناقلة الجنود “بعبوعة” وشارك في حرب فلسطين عام 1948 في واحدة من أبرز محطات مسيرته المبكرة.
لاحقًا سافر إلى إنجلترا للتخصص في المدفعية البحرية، وعاد عام 1950 ليُكلف بإنشاء مدرسة المدفعية برأس التين وظل مديرًا لها حتى نهاية 1951. قبل أن يعين أركان حرب لمنطقة السويس والبحر الأحمر مساهمًا في وضع اللبنات الأولى لقاعدة السويس البحرية.
مواقف حاسمة في البحر والمخابرات
تولى قيادة السفينة “القصير” بين عامي 1953 و1954، وقام بزيارة رسمية إلى ميناء جدة في أغسطس 1954. حيث زارها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر برفقة الرئيس أنور السادات والنائب حسين الشافعي.
ثم عين قائدًا للفرقاطة “طارق”، وخلال إحدى مهام تأمين خليج العقبة تمكن من توقيف سفينة شحن بولندية كانت في طريقها إلى إسرائيل. وأجبرها على مغادرة الخليج في موقف يعكس الحزم والجاهزية.
لاحقًا، تولى إدارة مكتب المخابرات البحرية بين 1954 و1955، وكان عضوًا في لجنة التحقيق الثلاثية في محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر عام 1954. وهي المحاولة التي شكلت منعطفًا سياسيًا خطيرًا في تاريخ مصر.
وفي عام 1955، شارك بالتنسيق مع المخابرات العامة في تجهيز أول سفينة لنقل السلاح إلى ثوار الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي. حيث أشرف على إعداد السفينة والطاقم، وتمت الاجتماعات التنسيقية بحضور الرئيس الجزائري أحمد بن بيلا في خطوة تعكس البعد القومي لدوره.
أصغر مدير لكلية عسكرية في مصر
في سبتمبر 1955، صدر قرار بتعيينه مديرًا للكلية البحرية لمدة ثلاث سنوات، ليصبح أصغر من تولى إدارة كلية عسكرية في مصر آنذاك. وكان أول حفل تخرج يشهده في عهده بحضور الرئيس جمال عبد الناصر بعد توليه رئاسة الجمهورية.
وخلال العدوان الثلاثي عام 1956، اتخذ قرارًا شخصيًا بإخلاء طلبة الكلية البحرية من رأس التين إلى سكن طلبة الجامعة بالشاطبي حفاظًا على أرواحهم بعد تعرض المنطقة لغارات جوية. ونسق مع القيادات المحلية لتوفير حافلات النقل العام، وتمت العملية بنجاح كامل.
زيارات دولية وخبرة واسعة
خلال مسيرته البحرية، شارك في العديد من المأموريات والزيارات الخارجية شملت الاتحاد السوفيتي واليونان. مما أكسبه خبرة استراتيجية واسعة في التعامل مع المدارس البحرية المختلفة.
من البحرية إلى قيادة الموانئ
في عام 1959، انتقل للعمل مديرًا لمصلحة الموانئ والمنائر والمدير التنفيذي لميناء الإسكندرية برتبة عميد ثم لواء وهو لا يزال في الخدمة. وشهدت تلك الفترة إنشاء محطة الركاب البحرية التي افتتحت عام 1962 بحضور الرئيس جمال عبد الناصر.
وفي عام 1968، أحيل للتقاعد من القوات البحرية، وعين رئيسًا لمجلس إدارة الشركة المصرية لمصايد أعالي البحار. حيث قاد مرحلة تطوير واسعة شملت زيادة عدد سفن الصيد وسفن التبريد لتعيش الشركة أزهى عصورها، وتطرح الأسماك بأسعار مناسبة للمواطنين.
كما كان من بين الخطط البديلة لتفجير الحفار الإسرائيلي “كيتنج” استخدام إحدى سفن الصيد التابعة للشركة. في تنسيق تم بينه وبين رئيس جهاز المخابرات آنذاك اللواء أمين هويدي، في إطار الاستعدادات الوطنية لمواجهة التحديات.
عطاء ممتد حتى ما بعد التقاعد
أنهى خدمته ببلوغ سن المعاش عام 1981 بعد مسيرة امتدت 36 عامًا بين العمل العسكري والمدني. ولم يتوقف عطاؤه، إذ كان عضوًا نشطًا في جمعية الكشافة، ومثل مصر في فعاليات دولية عدة من بينها اليونان.
وفي 31 مارس 2012، رحل اللواء بحري عماد الدين مدكور عن عمر ناهز 91 عامًا. بعد تاريخ حافل بالانضباط والعمل الصامت والقرارات الشجاعة، تاركًا خلفه سيرة تجسد معنى الالتزام الوطني الحقيقي.



