وطنيات

في ذكرى تحرير سيناء الـ44.. كيف انتصرت مصر في معركة طابا بلا رصاصة واحدة؟

تتجدد ذكرى تحرير سيناء، ومعها تحل الذكرى الـ44 لهذا الحدث الوطني الفارق، الذي لم يكن مجرد استعادة لأرض، بل تجسيدًا لمعركة إرادة خاضتها الدولة المصرية على أكثر من مسار، ورغم أن نصر حرب أكتوبر 1973 يظل في صدارة المشهد كأحد أعظم الانتصارات العسكرية، فإن معركة طابا تبقى نموذجًا استثنائيًا لانتصار دبلوماسي وقانوني أعاد جزءًا غاليًا من أرض الوطن دون إطلاق رصاصة واحدة.

من الحرب إلى الدبلوماسية.. معركة لم تنتهِ في الميدان

عقب انتهاء حرب أكتوبر 1973، لم تغلق صفحة الصراع بالنسبة لمصر، فمع توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، بدأت مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الحقوق على الأرض.

وفي هذا السياق، برزت أزمة طابا كإحدى أعقد القضايا الحدودية، بعدما حاولت إسرائيل الالتفاف على التزاماتها بإثارة نزاع حول 14 علامة حدودية، كان أبرزها العلامة رقم 91 في منطقة طابا، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض.

وثائق مصر في مواجهة المراوغات الإسرائيلية

كما دخلت مصر هذه المعركة مدعومة بأرشيف ضخم من الوثائق والخرائط التاريخية، حيث قدمت وزارة الخارجية 29 خريطة موثقة من الأرشيفات المصرية والبريطانية والتركية، من بينها 10 خرائط صادرة عن إسرائيل نفسها، وجميعها تؤكد أن طابا جزء أصيل من الأراضي المصرية.

في المقابل، لم تستطع إسرائيل تقديم سوى 6 خرائط فقط، وهو ما أظهر ضعف موقفها القانوني، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لحسم النزاع في ظل محاولات المماطلة والمناورة.

ورقة 1956.. الشاهد الحاسم

مع تعقد الموقف، استعانت مصر بوثيقة تاريخية حاسمة، تمثلت في انسحاب إسرائيل من سيناء عقب العدوان الثلاثي عام 1956، والذي جرى وفق الحدود الدولية المعترف بها، بما يشمل طابا.

ولتعزيز هذا الموقف، لجأت مصر إلى الاستعانة بشهادات ضباط شاركوا في تلك المرحلة، حيث أكدت شهادات ثلاثة منهم مواقع العلامات الحدودية بدقة، كما شكلت نقطة تحول مهمة دعمت الموقف المصري أمام هيئة التحكيم.

“كتيبة تحرير طابا”.. معركة العقول

في مايو 1985، اتخذت الحكومة المصرية قرارًا بتشكيل لجنة قومية عرفت إعلاميًا باسم “كتيبة تحرير طابا”، وضمت نخبة من خبراء القانون الدولي والدبلوماسيين والعسكريين.

كما ترأس هذه اللجنة الدكتور عصمت عبد المجيد، وشارك فيها عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم نبيل العربي، الذي تولى تمثيل مصر أمام هيئة التحكيم الدولية في جنيف.

وخاضت هذه الكتيبة مفاوضات معقدة انتهت بتوقيع اتفاق التحكيم في 11 سبتمبر 1986، بمشاركة شمعون بيريز، وذلك بعد ضغوط دولية، خاصة من الولايات المتحدة.

معركة جنيف.. القانون ينتصر

في جنيف، تحولت قضية طابا إلى واحدة من أبرز المعارك القانونية في التاريخ الحديث، حيث استعانت مصر بخبراء دوليين، وقدمت مذكرات قانونية مدعومة بالأدلة التاريخية والجغرافية.

كما استمرت جلسات التحكيم عدة أشهر، تبادل خلالها الطرفان المرافعات والوثائق، حتى صدر الحكم التاريخي في 29 سبتمبر 1988، بأغلبية أربعة أصوات مقابل صوت واحد لصالح مصر، مؤكدًا أحقيتها الكاملة في طابا.

19 مارس 1989.. يوم عودة الأرض

وفي مشهد تاريخي لا ينسى، رفع العلم المصري فوق طابا في 19 مارس 1989، بحضور الرئيس الأسبق حسني مبارك، ليعلن رسميًا انتهاء واحدة من أطول المعارك الدبلوماسية في تاريخ مصر الحديث.

وأصبح هذا اليوم عيدًا وطنيًا، ليس فقط لأنه أعاد الأرض، بل لأنه أكد أن الحقوق يمكن استعادتها بالقانون كما تستعاد بالقوة.

لماذا تظل طابا درسًا تاريخيًا؟

لم تكن معركة طابا مجرد نزاع حدودي، بل نموذجًا متكاملًا لإدارة الصراعات الدولية عبر أدوات القانون والدبلوماسية.

فقد أثبتت مصر أن امتلاك الوثائق، والتمسك بالحق، والعمل المؤسسي المنظم، قادر على مواجهة محاولات التزييف مهما بلغت قوتها.

وفي ذكرى تحرير سيناء، تظل طابا شاهدًا حيًا على أن معركة استرداد الأرض لا تحسم فقط في ساحات القتال، بل قد تحسم أيضًا داخل قاعات المحاكم، حيث تكون الحجة أقوى من الرصاص، والتاريخ أكثر صدقًا من الادعاءات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى