تاريخ ومزارات

من سقوط الأندلس إلى تحالف أوروبا.. كيف اشتعل الصراع بين إسبانيا والعثمانيين؟

حدث في مثل هذا اليوم 25 مايو عام 1571، شهدت القارة الأوروبية محطة جديدة في سلسلة الصراع الممتد بين الدولة العثمانية والقوى الأوروبية، بعدما نجح بابا الفاتيكان بيوس الخامس في تشكيل تحالف ضم إسبانيا وعددًا من الدول المسيحية لمواجهة النفوذ العثماني المتصاعد، في واحدة من أبرز الجبهات الأوروبية التي وجهت ضد الدولة العثمانية خلال القرن السادس عشر.

غير أن جذور هذا الصراع لم تبدأ في ذلك القرن، بل تعود إلى ما يقرب من ثمانية عقود سابقة، عندما سقطت غرناطة عام 1492، آخر الحصون الإسلامية في الأندلس، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة انتقل فيها الصراع من الأراضي الأيبيرية إلى سواحل البحر المتوسط وشمال القارة الإفريقية.

سقوط غرناطة.. نهاية الأندلس وبداية المواجهة

شكل سقوط غرناطة نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس بعد قرون طويلة من الوجود السياسي والحضاري، ومع توحد مملكتي قشتالة وأرغون، بدأت إسبانيا مرحلة توسعية جديدة استهدفت النفوذ الإسلامي خارج حدود شبه الجزيرة الأيبيرية.

وفي تلك المرحلة سعى آخر ملوك غرناطة، أبو عبد الله محمد الصغير، للحصول على دعم خارجي، فاتجه إلى السلطان العثماني بايزيد الثاني، إلا أن انشغال الدولة العثمانية بصراعاتها الداخلية وحروبها الإقليمية حال دون تقديم تدخل عسكري مباشر.

وبانتهاء الحكم الإسلامي في الأندلس، لم تتوقف المواجهة، بل انتقلت إلى الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.

إسبانيا تتجه إلى شمال إفريقيا

وبعد إحكام سيطرتها على الأندلس، شرعت إسبانيا في تنفيذ سياسة توسعية عسكرية على سواحل شمال إفريقيا، وتمكنت من السيطرة على عدد من المواقع الحيوية والاستراتيجية.

فدخلت مدينة مليلية عام 1497، ثم استولت على مرسى الكبير سنة 1505، ووهران عام 1509، قبل أن تصل إلى طرابلس سنة 1510.

وفي الوقت ذاته توصلت إسبانيا والبرتغال إلى تفاهم لتقاسم مناطق النفوذ في شمال إفريقيا؛ حيث ركزت البرتغال على المغرب والسواحل الأطلسية، بينما وجهت إسبانيا اهتمامها نحو الجزائر وتونس وليبيا.

وكان الهدف الرئيسي من هذه التحركات منع ظهور قوة إسلامية جديدة قد تعيد تهديد شبه الجزيرة الأيبيرية من جديد.

المورسكيون والبحارة الأتراك.. ولادة مقاومة جديدة

كما شهدت بدايات القرن السادس عشر تحولًا مهمًا في موازين القوى، بعد انتقال آلاف المسلمين المطرودين من الأندلس، المعروفين بالمورسكيين، إلى مدن شمال إفريقيا.

وقد ساهمت هذه الهجرات في خلق بيئة معادية للوجود الإسباني، بالتزامن مع صعود البحارة الأتراك الذين اتخذوا من السواحل المغاربية قاعدة لشن عمليات ضد التوسع الأوروبي.

وفي هذه الأجواء برز الأخوان عروج وخير الدين بربروسا، اللذان عُرفا في البداية بنقل المسلمين واليهود الفارين من الأندلس، قبل أن يتحولا إلى قوة بحرية مؤثرة استهدفت السفن والقواعد الإسبانية.

واستقر الأخوان في منطقة حلق الوادي بتونس، ومن هناك انطلقت عمليات بحرية أربكت النفوذ الإسباني في غرب البحر المتوسط.

التحالف مع العثمانيين.. بداية الحرب الكبرى

أدرك الأخوان بربروسا أن استمرار المواجهة يتطلب دعماً أقوى، فتوجها إلى الدولة العثمانية وأعلنا ولاءهما للسلطان سليم الأول عام 1515.

واستجاب العثمانيون لذلك بتقديم دعم عسكري وبحري، فتحولت المقاومة المحلية إلى مشروع سياسي وعسكري مرتبط بالدولة العثمانية.

ومنذ تلك اللحظة لم تعد المواجهات مجرد اشتباكات بحرية متفرقة، بل أصبحت صراعًا مفتوحًا بين قوتين كبيرتين هما الإمبراطورية الإسبانية والخلافة العثمانية.

معركة على النفوذ والدين

ووصل الصراع إلى ذروته خلال عهد السلطان سليمان القانوني من الجانب العثماني، والإمبراطور شارلكان ثم الملك فليب الثاني من الجانب الإسباني.

ولم تكن الحرب مقتصرة على السيطرة على المدن والموانئ، بل ارتبطت كذلك بالصراع الديني والسياسي؛ إذ رأت القوى الكاثوليكية أن التوسع العثماني يمثل تهديدًا مباشرًا لأوروبا، بينما اعتبرت الدولة العثمانية نفسها حامية للمسلمين في البحر المتوسط وشمال إفريقيا.

وفي هذا الإطار جاء تحالف عام 1571 الذي رعاه بابا الفاتيكان، ليؤسس جبهة أوروبية موحدة في مواجهة الدولة العثمانية.

المتوسط ساحة للصراع

والجدير بالذكر أن الحروب بين العثمانيين والإسبان استمرت لعقود طويلة، وامتدت من سواحل الجزائر وتونس إلى أعماق البحر المتوسط، وأسهمت هذه المواجهات في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى