وطنيات

محمد سعيد الماحي… عقل المدفعية الذي حوّل النصر إلى معادلة من نار وصمت

في احضان دمياط الهادئة، حيث ينساب النيل كحكاء قديم يهمس باسرار الزمن، ولد محمد سعيد الماحي في فبراير عام 1922، بدا طفلا وديعا كصفاء الماء في ليالي الصيف، لكن عينيه حملتا بريق طموح لا يخفت، وكأن القدر يجهزه لدور كبير يسجل صوته يوما بمدافع تهز صفحات التاريخ.

من هو محمد سعيد الماحي

منذ سنواته الاولى لم يتعامل مع الحلم كرفاهية، بل اعتبره طريقا واضحا للحياة، وعندما بلغ السابعة عشرة التحق بالكلية الحربية عام 1939، ليبدأ رحلة من الانضباط والتكوين الصارم، وفي يونيو 1942 تخرج ضابطا في سلاح المدفعية، يحمل داخله وعدا واضحا ان تتحول مدافعه الى صوت الوطن عندما تعجز الكلمات.

 

لم يكتف الماحي بدور الضابط التقليدي، بل برز كقائد يجمع بين هدوء الاعماق وقوة العاصفة، شارك في حرب فلسطين عام 1948، واكتسب منها خبرة قاسية زادت من صلابته، ومع ثورة يوليو 1952 تنقل بين مواقع مختلفة، في اليمن وسوريا خلال فترة الوحدة، وواصل بناء خبرته ليصنع لنفسه ملامح قائد يعرف كيف يدير المعركة قبل ان تبدأ.

 

في يوليو 1971 تولى قيادة سلاح المدفعية، وهناك بدأ العمل الحقيقي بعيدا عن الاضواء، اعاد تنظيم الوحدات، وطور اساليب التدريب، ودرس خط بارليف بدقة حتى حفظ تفاصيله، وعمل على تجهيز خطة تعتمد على الدقة والتمويه وسرعة التنفيذ.

 

وجاء يوم السادس من اكتوبر 1973، ليظهر نتاج سنوات طويلة من الاعداد، في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرا اعطى الماحي اشارة البدء، فانطلقت المدافع في وقت واحد، واطلقت اكثر من احد عشر الف قذيفة بمعدل يقارب 175 قذيفة في الثانية، وتحولت سماء سيناء الى ساحة نيران كثيفة، وانهارت التحصينات تحت قوة الضربات، ونجحت الخطة التي وضعها مع رفاقه منير شاش ومحمد عبد الحليم ابو غزالة في تحقيق اصابات دقيقة وفتح الطريق امام القوات لعبور القناة.

 

اعتمدت المدفعية على التمويه الكامل والتخطيط المحكم، فظلت بعيدة عن رصد العدو، تتحرك وتضرب بسرعة، واستمرت الضربات لمدة 53 دقيقة متواصلة، مهدت خلالها الطريق للقوات، ونجحت في تقليل قوة نيران العدو، مما ساعد على تأمين عملية العبور وتحقيق تقدم واضح على الضفة الشرقية.

 

استمر دور المدفعية بعد العبور، حيث ساهمت في تثبيت المواقع وتأمين رؤوس الكباري، وشاركت بقوة في صد الهجمات المضادة، وفي معركة 14 اكتوبر لعبت دورا مهما الى جانب الصواريخ المضادة للدبابات، وظهرت خلالها كفاءة عالية في التنسيق والدقة، ما جعل هذه المعركة محل تقدير عسكري واسع.

 

خلال تلك المواجهات برز عدد من الابطال الذين ساهموا في تحقيق الانجاز، مثل محمد عبد العاطي وابراهيم عبد العال، حيث قدموا نماذج مميزة في الشجاعة والمهارة، وساعدوا في تحويل المعركة الى قصة نجاح عسكرية متكاملة.

 

عندما حاولت قوات العدو استغلال ثغرة الدفرسوار، واجهت مقاومة قوية من المدفعية بقيادة الماحي، حيث استمرت في القتال للحفاظ على توازن الميدان، واثبتت ان التخطيط الجيد يلعب دورا حاسما الى جانب الشجاعة في تحقيق النتائج.

 

بعد انتهاء الحرب واصل الماحي مسيرته في خدمة الدولة، حيث حصل على رتبة فريق وقتي عام 1974، وتولى عدة مناصب مهمة من بينها رئاسة المخابرات العامة، ثم عمل محافظا للاسكندرية حتى تقاعده عام 1982، واستمر في اداء مهامه بنفس الهدوء الذي عرف به.

 

خلال مسيرته التي امتدت لعقود حصل على العديد من الاوسمة تقديرا لدوره الكبير، وفي يونيو 2007 رحل عن عمر خمسة وثمانين عاما، تاركا وراءه تاريخا لقائد لم يسع وراء الاضواء، لكنه ترك بصمة واضحة في سجل البطولات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى