تاريخ ومزارات

الكعبة المشرفة.. البيت الذي بنته الملائكة وحفظه الأنبياء عبر آلاف السنين

تروي كتب التاريخ والسير حكاية الكعبة المشرفة كأنها رحلة عظيمة امتدت منذ بداية الخليقة، رحلة تعاقبت عليها الأزمنة، وشارك فيها الأنبياء والخلفاء والملوك، حتى وصلت إلينا اليوم شامخة في قلب مكة المكرمة، تتجه إليها قلوب المسلمين من كل أنحاء الأرض.

قصة الكعبة المشرفة

ويعتقد عدد كبير من المؤرخين والعلماء أن الملائكة كانت أول من بنى الكعبة، وذلك قبل خلق آدم عليه السلام بآلاف السنين، فقد ذكرت بعض الروايات أن الله سبحانه وتعالى أمر الملائكة أن تقيم بيتا في الأرض على مثال البيت المعمور الموجود في السماء، ليصبح مكانا للطواف والعبادة وذكر الله، وكانت الملائكة تطوف حوله كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

 

وبعد أن نزل آدم عليه السلام إلى الأرض، قيل إنه أعاد بناء الكعبة في موضعها المعروف، ثم جاء بعده ابنه شيث عليه السلام، فاهتم بالبيت الحرام وجدد بناءه، وظلت الكعبة معروفة ومقدسة بين الناس عبر العصور والأزمان، حتى وقع طوفان نوح عليه السلام، فاختفت معالم البيت واندثر بناؤه تحت الأرض.

 

ومرت السنوات الطويلة، حتى أوحى الله سبحانه وتعالى إلى النبي إبراهيم عليه السلام بمكان البيت الحرام، وأمره أن يرفع قواعد الكعبة من جديد بمساعدة ابنه إسماعيل عليه السلام، وهناك وسط صحراء مكة، وقف الأب والابن يرفعان الحجارة وهما يدعوان الله أن يتقبل منهما هذا العمل العظيم، وكان مشهدا من أعظم المشاهد في تاريخ البشرية، وخلال عملية البناء جاء جبريل عليه السلام بالحجر الأسود، وكان وقتها أبيض ناصعا كالثلج، ثم تحول لونه إلى السواد مع مرور الزمن بسبب ذنوب البشر كما ورد في الأحاديث.

وظلت الكعبة قائمة عبر القرون، وتعرضت في بعض الفترات للتلف بسبب السيول والعوامل الطبيعية، حتى جاء عهد قبيلة قريش قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد تعرضت الكعبة لحريق كبير ثم جاءت السيول فأضعفت بناءها، لذلك قررت قريش إعادة بنائها بالكامل، واشترطت القبائل ألا يدخل في بنائها إلا المال الحلال، لكن الأموال لم تكف لإكمال البناء على قواعد إبراهيم عليه السلام، لذلك أخرجت قريش جزءا من البيت، وهو الجزء المعروف اليوم باسم الحجر.

 

وخلال ذلك البناء رفعت قريش باب الكعبة عن مستوى الأرض، وجعلت لها سقفا وميزابا لتصريف مياه الأمطار، وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم حاضرا وقتها، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة، وشارك بنفسه في نقل الحجارة مع رجال قريش.

 

وعندما انتهت القبائل من البناء، اختلفت فيما بينها حول من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه، وكاد الخلاف يتحول إلى حرب كبيرة بين بطون قريش، حتى اتفق الجميع على تحكيم أول رجل يدخل عليهم، فكان محمد صلى الله عليه وسلم. وهنا ظهرت حكمته العظيمة، فوضع الحجر الأسود داخل ثوب، ثم طلب من زعماء القبائل أن يمسك كل واحد منهم بطرف الثوب، حتى حملوه جميعا، وبعدها أخذه النبي بيديه الشريفتين ووضعه في مكانه، فانتهى النزاع ورضيت جميع القبائل.

 

ومع مرور الزمن شهدت الكعبة أحداثا كثيرة وتعرضت لأضرار متكررة. ففي عهد عبد الله بن الزبير احترقت الكعبة أثناء الحصار الذي فرضه جيش يزيد بن معاوية على مكة، وبعد أن تولى ابن الزبير الخلافة، أعاد بناء الكعبة على الشكل الذي تمناه النبي صلى الله عليه وسلم، فأدخل الحجر ضمن البناء، وجعل للكعبة بابين ملاصقين للأرض، بابا للدخول وبابا آخر للخروج.

 

لكن هذا الشكل لم يستمر لفترة طويلة، فقد جاء الحجاج بن يوسف الثقفي بأمر من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، فحاصر مكة وقصفها بالمنجنيق، وتضررت الكعبة مرة أخرى بسبب القتال، وبعد انتهاء الأحداث، أمر عبد الملك بإعادة الكعبة إلى الشكل الذي بنتها عليه قريش، فأغلق الباب الخلفي، وأعاد الجزء الخارج من الحجر كما كان سابقا.

 

وفي العصر العثماني تعرضت مكة لأمطار وسيول شديدة سنة 1039 هجريا، حتى تهدمت أجزاء كبيرة من الكعبة المشرفة، فأمر السلطان مراد الرابع بإعادة بنائها بالكامل على يد مجموعة من أمهر المهندسين والبنائين، وكان ذلك سنة 1040 هجريا الموافق 1630 ميلاديا، ويعد هذا البناء هو القائم حتى يومنا هذا، بينما اقتصرت الأعمال بعد ذلك على الترميم والصيانة والعناية بجدران الكعبة وسقفها ومرافقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى