تاريخ ومزارات

من ريف مصر إلى أخطر شبكة تجسس.. كيف سقطت انشراح شاهين في طريق الخيانة؟

في عام 1937، وداخل قرية مصرية هادئة لا يعرفها كثير من الناس، وُلدت فتاة بسيطة اسمها انشراح علي مرسي، عاشت طفولتها بين الحقول والطين ورائحة الخبز الريفي، وكانت تبدو مثل أي فتاة مصرية عادية تحلم بحياة مستقرة وأسرة هادئة، ولم يتوقع أحد أن تتحول هذه الطفلة بعد سنوات إلى واحدة من أخطر الجواسيس الذين خانوا مصر لصالح الموساد الإسرائيلي.

من هي انشراح شاهين

كبرت انشراح بسرعة، وعندما بلغت الرابعة عشرة من عمرها حضرت حفل زفاف لأحد أقاربها، وهناك تعرّفت إلى شاب يدعى إبراهيم شاهين، وكان موظفا يعمل في مدينة العريش، بدا أمامها شابا هادئا وطموحا، فتعلقت به بسرعة، ولم تمر فترة طويلة حتى تزوجته وانتقلت معه إلى العريش في سيناء، لتبدأ حياة جديدة بعيدة عن قريتها الصغيرة.

في البداية بدت حياتهما مستقرة، لكن المشاكل بدأت تتسلل إلى البيت شيئا فشيئا، تورط إبراهيم في قضية رشوة ودخل السجن، وعندما خرج وجد نفسه بلا عمل وبلا سمعة وبلا مستقبل واضح، ومع مرور الوقت بدأت الأسرة تغرق في الفقر، بينما كان الأبناء الثلاثة يكبرون وسط الخوف والحرمان والقلق من الأيام القادمة.

ثم جاءت نكسة يونيو عام 1967، فسقطت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي، وتحولت مدينة العريش إلى منطقة يسيطر عليها الجنود الإسرائيليون بالكامل، وفي تلك الأجواء المضطربة لم يفكر إبراهيم في المقاومة أو الدفاع عن وطنه، بل اختار الطريق الأسهل والأخطر في الوقت نفسه.

 

ذهب إلى مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي طالبا تصريح سفر، وهناك اقترب منه ضباط الموساد، لم يهددوه ولم يضغطوا عليه بالقوة، بل قدموا له المال والإغراءات ووعدوه بحياة أفضل مقابل التعاون مع إسرائيل، وكان إبراهيم يعلم جيدا خطورة ما يُطلب منه، لكنه وافق دون تردد.

 

عاد إلى منزله وأخبر زوجته بكل شيء، وكانت تلك اللحظة نقطة التحول الكبرى في حياتهما، لم تعترض انشراح، ولم ترفض، ولم تفكر حتى في بلدها أو في خطورة ما سيقومان به، بل رأت في الأمر فرصة للهروب من الفقر والحصول على المال، ومن هنا بدأت رحلة الخيانة.

 

خضع الزوجان لتدريبات سرية مكثفة على يد ضباط الموساد، فتعلما التصوير الخفي، واستخدام الحبر السري، وتشغيل أجهزة الإرسال اللاسلكية، وطرق جمع المعلومات العسكرية الحساسة، ومع مرور الوقت تحولت الأسرة كلها إلى شبكة تجسس متكاملة تعمل لصالح إسرائيل، وحتى الأبناء تورطوا في الأمر، بعدما استغلهم والدهم للتقرب من أبناء الضباط المصريين والحصول منهم على معلومات دون أن يشعروا.

وبعد انتقال الأسرة إلى القاهرة بدأ أخطر فصل في القصة، كانت انشراح تتحرك بسيارتها الصغيرة بين الشوارع والمناطق العسكرية، تلتقط الصور وتنقل المعلومات، بينما كان إبراهيم يتولى الاتصالات المشفرة مع تل أبيب، وظلت الأسرة لسنوات طويلة تعمل في الخفاء، تبيع أسرار الوطن مقابل حفنة من الدولارات.

ولم تكن خيانتهم محدودة أو بسيطة، بل تسببت المعلومات التي نقلوها في أضرار خطيرة خلال حرب الاستنزاف، حتى ارتبط اسم الشبكة بالمعلومات التي ساعدت العدو في استهداف الفريق عبد المنعم رياض، أحد أبرز القادة العسكريين في تاريخ مصر.

فبعد حرب أكتوبر منحهم الموساد جهاز إرسال حديثا ومتطورا للغاية، يستطيع إرسال الرسائل بسرعة كبيرة، وظنوا أن هذا التطور التكنولوجي سيحميهم من السقوط، لكن الجهاز نفسه كان السبب في كشفهم، فقد رصدت المخابرات المصرية إشارات لاسلكية غامضة، وبدأت عملية تعقب دقيقة استمرت لفترة حتى تمكنت من الوصول إلى إبراهيم شاهين والقبض عليه.

أما انشراح فكانت عائدة من روما بعد لقاء ضابط الاتصال الإسرائيلي، ولم تكن تعرف أن رجال المخابرات المصرية ينتظرونها داخل المطار، وهناك سقط القناع أخيرا وانتهت سنوات التجسس والهروب.

وأمام التحقيقات انهارت بسرعة واعترفت بكل شيء، فصُدمت مصر بالقضية التي تصدرت الصحف واعتبرها كثيرون واحدة من أخطر شبكات التجسس لصالح إسرائيل، وبعد المحاكمة صدر الحكم بالإعدام شنقا على إبراهيم شاهين وانشراح، بينما حصل الأبناء على أحكام متفاوتة.

وفي عام 1977 نُفذ حكم الإعدام في إبراهيم شاهين، أما انشراح فقد تمكنت إسرائيل من إخراجها ضمن صفقة تبادل أسرى، غادرت مصر إلى إسرائيل، وهناك تخلت عن اسمها ودينها وهويتها بالكامل، وأصبحت تُعرف باسم دينا بن ديفيد.

فلم تعش حياة الثراء التي باعت وطنها من أجلها، ولم تتحول إلى سيدة تملك القصور والأموال، بل عاشت حياة عادية باهتة، وعملت طاهية براتب محدود، بينما ظل اسمها داخل مصر مرتبطا بالخيانة والعار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى