وطنيات

سر المقبرة الجماعية لجنود الصاعقة في 1967.. شهادات تكشف جريمة دفن الأحياء ودهس الجرحى داخل الأراضي المحتلة

أسماء صبحي– بعد مرور أكثر من خمسة عقود على حرب يونيو 1967، عاد ملف مأساوي إلى الواجهة مجددًا. بعدما كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن سر المقبرة الجماعية لجنود مصريين داخل الأراضي المحتلة قرب القدس، ظلت طي الكتمان لمدة 55 عامًا.

ووفق ما نشرته الصحيفة، فإن المقبرة تقع قرب حديقة ميني إسرائيل، وتحديدًا أسفل موقف سيارات مجاور للحديقة. حيث دفنت جثامين جنود مصريين سقطوا خلال المعارك دون أي علامات تشير إلى وجود مقبرة في الموقع. ودون إخطار رسمي للجانب المصري طوال تلك السنوات، في مخالفة واضحة لقوانين الحرب الدولية.

روايات إسرائيلية متأخرة عن الواقعة

زعمت الصحيفة العبرية أن الجنود المصريين تسللوا إلى المنطقة لمهاجمة أهداف إسرائيلية، قبل اندلاع اشتباكات عنيفة انتهت بسقوط عدد كبير منهم. وأفادت بأن الجيش الإسرائيلي قام بجمع الجثامين ودفنها في مقبرة جماعية دون وضع علامات أو إبلاغ مصر.

كما نقلت عن الصحفي الإسرائيلي زئيف بلوخ، أحد المقربين من دوائر أمنية إسرائيلية، أن الحادث ظل سرًا لسنوات طويلة قبل أن يكشف عنه مؤخرًا. وأشار إلى أن بعض الجنود المصريين احترقوا داخل الحقول بعد إشعال النيران أثناء الاشتباكات، ثم جرى دفنهم في حفرة جماعية.

وأكدت الرواية الإسرائيلية أن قرار الكشف جاء بعد محاولات داخلية منذ التسعينيات لإعلان القصة بدعوى إنصاف الجنود المصريين. لكنها لم تنشر إلا مؤخرًا عبر وسائل الإعلام.

شاهد إسرائيلي يطالب باستخراج الرفات

وفي شهادة أخرى، تحدث شاهد إسرائيلي على الواقعة مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي جمع الجثامين ودفنها في حفرة واحدة دون أي مراسم أو إشارات للموقع. وطالب بضرورة استخراج الرفات ومنح الجنود “التكريم الأخير”، مشيرًا إلى أن ما حدث لم يكن لائقًا بضحايا حرب.

هذه التصريحات أعادت فتح ملف الجنود المصريين الذين استشهدوا داخل الأراضي المحتلة عام 1967. وطرحت تساؤلات واسعة حول حقيقة ما جرى.

الرواية المصرية عن المقبرة الجماعية

في المقابل، تؤكد الرواية المصرية أن ما حدث كان جريمة مكتملة الأركان بحق جنود الصاعقة المصرية الذين دخلوا الأراضي المحتلة في إطار اتفاقيات دفاع مشترك مع الأردن.

وأوضح اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، أن دخول قوات الصاعقة المصرية تم بطلب رسمي من العاهل الأردني الراحل الملك حسين، في إطار اتفاقية الدفاع المشترك العربية قبل اندلاع الحرب.

وأشار إلى أن كتيبتين من الصاعقة المصرية أُدخلتا عبر الأراضي الأردنية لتنفيذ عمليات ضد مواقع إسرائيلية. وأن عددًا كبيرًا من الجنود استشهدوا هناك دون معرفة مصير جثامينهم طوال السنوات الماضية.

مختار الفار يروي التفاصيل الكاملة

الرواية الأكثر تفصيلًا جاءت على لسان اللواء مختار الفار، قائد إحدى دوريات الصاعقة التي توغلت داخل الأراضي المحتلة آنذاك. وكشف الفار أن القوات المصرية دخلت الأردن يوم 3 يونيو 1967 لتنفيذ عمليات ضد المطارات الإسرائيلية. لكنها واجهت ظروفًا شديدة التعقيد بعد هروب الأدلاء الأردنيين المكلفين بمرافقتها.

وأوضح أن الدوريات المصرية تحركت دون خرائط دقيقة أو توجيه واضح، لكنها واصلت المهمة رغم ذلك. قبل أن تواجه قوة مدرعات إسرائيلية كبيرة في اشتباكات مباشرة داخل أراضي مفتوحة.

اشتباكات شرسة وخسائر في صفوف العدو

بحسب شهادة الفار، نجحت قوات الصاعقة المصرية بأسلحة خفيفة في إلحاق خسائر بقوات الاحتلال قدرت بنحو 30 إلى 40 جنديًا. قبل أن تبدأ الدبابات الإسرائيلية في محاصرة القوات المصرية ومحاولة تصفيتها.

ورغم صعوبة الموقف، تمكنت بعض المجموعات من الانسحاب وإعادة التجمع. إلا أن عددًا كبيرًا من الجنود أُصيبوا خلال الاشتباكات لتبدأ بعدها فصول المأساة.

دهس الجرحى ودفنهم أحياء

أكد اللواء مختار الفار أن القوات الإسرائيلية أسرت عددًا من الجرحى المصريين. ثم قامت بدهسهم بالدبابات قبل دفنهم في مقبرة جماعية، في واقعة وصفها بأنها “انتقامية” وليست مجرد عملية قتالية.

وأضاف أن الجنود المصريين ظلوا داخل الأراضي المحتلة حتى يوم 17 يونيو قبل صدور أوامر الانسحاب عبر الإذاعة المصرية. ليعود الناجون بعد رحلة شاقة ويبلغوا القيادة المصرية بما جرى لرفاقهم.

خلفيات سياسية وعسكرية للمعركة

تشير الوثائق إلى أن دخول القوات المصرية جاء في إطار اتفاقية دفاع مشترك بين مصر والأردن. وضمن حالة التضامن العربي قبل حرب 1967، حين كانت القوات العربية تحت قيادة مشتركة.

كما تكشف وثائق أمريكية أُفرج عنها لاحقًا أن الولايات المتحدة دعمت إسرائيل في توجيه ضربة استباقية للعرب. مما أدى إلى اندلاع الحرب بشكل مبكر وتفوق إسرائيلي سريع في الأيام الأولى.

مطلب بكشف الحقيقة وتكريم الشهداء

مع إعادة فتح الملف بعد عقود، تتزايد الدعوات لكشف الحقيقة الكاملة بشأن مصير الجنود المصريين الذين استشهدوا داخل الأراضي المحتلة عام 1967. والعمل على استعادة رفاتهم ومنحهم التكريم العسكري اللائق.

تبقى هذه القضية واحدة من أكثر ملفات الحرب حساسية، ليس فقط لأنها تكشف تفاصيل مأساوية من الماضي. بل لأنها تعيد طرح سؤال العدالة التاريخية وحق الجنود في أن يعرف مصيرهم وتحفظ كرامتهم حتى بعد الرحيل. جاء ذلك نقلًا عن المقاتل محمد السيد حجازى أحد أبطال سلاح المهندسين العسكريين فى حرب أكتوبر المجيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى