تاريخ ومزارات

القصر الكبير مدينة التاريخ والماء والذاكرة الحية من الحضارات القديمة إلى تحديات الحاضر

شهدت مدينة القصر الكبير خلال شهر يناير 2026 واحدة من أصعب الفترات في تاريخها الحديث، بعدما تعرضت لأمطار غزيرة وغير مسبوقة أدت إلى غرق عدد كبير من المنازل، وغمر الطرق الرئيسية والفرعية، وإغلاق معظم مداخل المدينة، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة التوازن بين الطبيعة والعمران، وأظهر حجم التحديات التي يمكن أن تواجهها المدن التاريخية في لحظات استثنائية.

تاريخ مدينة القصر الكبير

تقع مدينة القصر الكبير شمال غرب المغرب، وتعد من أقدم المدن التاريخية في البلاد، حيث تمتلك موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية يربط بين طنجة والرباط، كما تحتضن إرثا حضاريا غنيا يعكس تعاقب حضارات متعددة عبر قرون طويلة، ما جعلها مدينة حاضرة بقوة في الذاكرة التاريخية والجغرافية للمغرب.

 

في أواخر يناير 2026 عاشت القصر الكبير وضعا استثنائيا بسبب التساقطات المطرية الغزيرة، وارتفاع منسوب الأنهار، إلى جانب إطلاق كميات إضافية من المياه من السدود الممتلئة، وهو ما تسبب في فيضانات واسعة النطاق أدت إلى غرق أحياء كاملة، وغمر الشوارع، وشل الحركة داخل المدينة، لتعلن السلطات المحلية حالة التأهب القصوى، وتتخذ إجراءات احترازية عاجلة شملت إخلاء 13 حيا سكنيا حفاظا على سلامة السكان.

 

وخلال تلك الفترة تحولت القصر الكبير إلى ما يشبه مدينة خالية من مظاهر الحياة اليومية، بعد إجلاء نحو 70 في المئة من ساكنتها، وإغلاق المحال التجارية، وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، كما أوقفت الدراسة ضمن خطة شاملة لمواجهة تداعيات الأزمة، في مشهد عكس حجم الضغط الذي تعرضت له المدينة وسكانها.

 

تاريخيا، عرفت القصر الكبير في العهد الروماني باسم أبيدوم نوفوم، بعدما استوطنها الرومان، وقبلهم الإغريق والقرطاجيون، مستفيدين من موقعها القريب من نهر اللوكوس، الذي منحها دورا تجاريا مهما منذ العصور القديمة، وربط اسمها بأحد أبرز الأحداث المفصلية في تاريخ المغرب، حيث شهد محيطها يوم الرابع من أغسطس عام 1578 معركة الملوك الثلاثة، التي انتهت بانتصار المغاربة ومقتل ملك البرتغال سيباستيان الأول.

الموقع الجغرافي

من حيث الموقع الجغرافي، تتمركز مدينة القصر الكبير في شمال غرب المغرب، وتحديدا في وادي نهر اللوكوس الذي يشكل حدودها من الجنوب والغرب، وتتميز المنطقة بمناخ متوسطي متأثر بالمحيط الأطلسي، ما جعلها فضاء زراعيا مهما عبر التاريخ، وأسهم بناء سد وادي المخازن في توسيع المساحات المسقية، والتقليل من مخاطر الفيضانات التي كانت تهدد المدينة بشكل متكرر في السابق.

 

وتبعد القصر الكبير حوالي 143 كيلومترا عن العاصمة الرباط، ونحو 137 كيلومترا عن مدينة فاس، و84 كيلومترا عن طنجة، وهو ما منحها مكانة استراتيجية كحلقة وصل بين أهم المدن المغربية، كما عززت شبكة السكك الحديدية هذا الدور، حيث تربط المدينة بشرق البلاد عبر فاس ووجدة، وبشمالها عبر طنجة، وبالرباط والدار البيضاء ومراكش جنوبا، إلى جانب شبكة طرق برية تسهل التواصل مع مختلف المناطق.

 

تعود جذور القصر الكبير إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، حين شكلت مستعمرة فينيقية بفضل موقعها الحيوي بمحاذاة نهر اللوكوس، الأمر الذي أهلها لتكون مركزا تجاريا نشطا منذ فترات مبكرة، واستمر هذا الدور خلال العهد الروماني، حيث عرفت باسم أوبيدوم نوفوم، وأصبحت واحدة من سبع مدن مغربية يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام.

 

وأثبتت الرسومات البدائية التي اكتشفها الباحثون في الكهوف والملاجئ الجبلية المجاورة وجود استيطان بشري في المنطقة منذ العصر الحجري الحديث، ما يعكس عمق الحضور الإنساني في هذه الرقعة الجغرافية، ومع بداية القرن الثامن الميلادي تطورت المدينة الإسلامية فوق الموقع القديم على يد قبيلة كتامة، وتعددت تسمياتها بين سوق كتامة وقصر عبد الكريم الكتامي، قبل أن يستقر اسمها النهائي على القصر الكبير.

 

خلال العصور الوسطى عرفت القصر الكبير مرحلة ازدهار لافت في عهد الدولة الموحدية، خاصة في زمن الخليفة يعقوب المنصور، الذي اهتم بتحصين المدينة وبناء أسوارها، وتجديد المسجد الأعظم، وإنشاء الحمامات العامة، كما تعزز الدور الديني والعلمي للمدينة في العهد المريني، من خلال تشييد المدرسة في عهد السلطان أبي الحسن.

 

وفي القرن الثاني عشر أحاطت الأسوار بالمدينة بارتفاع بلغ ستة أمتار وعرض متر واحد، ما منحها طابعا دفاعيا قويا، غير أن هذه الأسوار تعرضت للهدم في القرن السابع عشر بأمر من السلطان إسماعيل بن الشريف، إثر خلاف مع أحد الزعماء المحليين، لتفقد المدينة جزءا من معالمها الدفاعية التاريخية.

 

أما في العصر الحديث، فقد خضعت القصر الكبير للاحتلال الإسباني سنة 1911، وأعيد تنظيمها لتصبح حامية عسكرية، وخلال فترة الحماية الإسبانية الممتدة بين 1911 و1956 حملت اسم ألكازار كيبير، وشهدت إنشاء مدينة جديدة بمحاذاتها، وبناء ثكنات عسكرية ومستشفى مدني، ومحطة للسكك الحديدية ربطت طنجة بفاس.

 

وفي عام 1923 وُضع مخطط عمراني لتوسيع المدينة نحو الشمال والغرب، وأسفر عن ظهور أحياء جديدة من بينها حي المسيرة الخضراء وحي الأندلس، ومع حصول المغرب على الاستقلال عام 1956 استعادت القصر الكبير اسمها الأصلي، محافظة على هويتها التاريخية وخصوصيتها الثقافية.

 

وترتبط معركة الملوك الثلاثة ارتباطا وثيقا بمدينة القصر الكبير، إذ دارت أحداثها سنة 1578 في محيطها المباشر قرب وادي المخازن، بعدما حاول ملك البرتغال سيباستيان الأول، بالتعاون مع السلطان المغربي المخلوع محمد المتوكل، الإطاحة بالسلطان أبي مروان عبد الملك، غير أن الجيش المغربي ألحق بالقوات البرتغالية هزيمة قاسية، وانتهت المعركة بمقتل القادة الثلاثة، وهو ما منحها تسميتها التاريخية.

 

وتزخر القصر الكبير اليوم بمعالم تاريخية ومعمارية تعكس عمقها الحضاري، حيث تشتهر بأسواقها التقليدية، ومصانع النسيج، وأضرحة الأولياء، ويعد المسجد الأعظم من أبرز معالمها، إذ يعود تاريخه إلى عهد الأدارسة، ويحتوي على نقوش رومانية تشهد على تداخل الحضارات، وقد خضع المسجد لعملية ترميم شاملة بين عامي 1986 و1992، ليصبح نموذجا بارزا للعمارة الإسلامية المغربية، ويقع في حي باب الواد، أحد أقدم أحياء المدينة، الذي يعود تاريخه إلى القرن الحادي عشر الميلادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى