تاريخ ومزارات

حين وقف الفقيه أبا حنيفة في وجه العرش العباسي

في بدايات الخلافة العباسية، وبينما كان أبو جعفر المنصور يعمل على تثبيت أركان دولته الناشئة، اندلعت واحدة من أخطر الثورات في تاريخه، ثورة عام 145 هجرية التي قادها محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم من آل البيت، واستطاعت أن تفرض وجودها بقوة، فسيطرت على المدينة ثم امتد نفوذها إلى الكوفة والبصرة ومناطق واسعة أخرى، لتتحول إلى أخطر تهديد واجهه المنصور منذ توليه الحكم.

موقف أبا حنيفة في وجه العباسيين

ومع تصاعد أحداث الثورة، انتشرت بين الناس أخبار قوية تشير إلى أن الإمامين الكبيرين أبا حنيفة النعمان في العراق ومالك بن أنس في المدينة يميلان إلى تأييد هذا الخروج، إما سرا أو علنا، وكان هذان الاسمان يمثلان قمة المرجعية الدينية والعلمية في عصرهما، لذلك لم يكن اتهامهما أمرا عابرا ولا سهلا تجاهله.

 

وبعد أن تمكن المنصور من القضاء على الثورة وأعاد فرض سيطرته، وجد بعض الوشاة والحاقدين الفرصة سانحة لإشعال نار الغضب في صدر الخليفة، فبدأ التحريض على الإمامين، فكانت محنة الإمام مالك المشهورة بالجلد، بينما كانت محنة أبي حنيفة أشد وطأة وأعمق أثرا في تاريخ الفقه والفكر الإسلامي.

 

عرف الإمام أبو حنيفة منذ شبابه بابتعاده الصارم عن أبواب السلطان، ورفضه المطلق لتولي المناصب الرسمية، وعلى رأسها القضاء، لما يفرضه من قيود وضغوط قد تجر العالم إلى مداهنة الحاكم أو مسايرته فيما يخالف الحق، وفي زمن الدولة الأموية، عرض عليه والي العراق يزيد بن عمر بن هبيرة منصب القضاء في الكوفة، فرفض دون تردد، فهدده الوالي بالسجن والضرب ثم نفذ وعيده، فجلده وعذبه، لكنه لم ينجح في كسر إرادته، بل زادت تلك المحنة من مكانة الإمام في قلوب الناس، حتى صار رمزا للعالم الحر الذي لا يساوم على دينه.

 

وحين آلت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور، استدعى الإمام أبا حنيفة إلى بغداد، وفي مجلس عام حضره الوجهاء والعلماء، عرض عليه منصب قاضي القضاة، وهو يعلم يقينا أن الإمام سيرفض، لكنه أراد أن يختبر موقفه ودرجة خضوعه للسلطة الجديدة.

 

دار بينهما حوار كشف عن فقه الإمام ودهائه وثباته، طلب المنصور منه تولي القضاء، فامتنع، فسأله بلهجة حادة إن كان يزهد فيما هم فيه، فأجابه بهدوء بأنه لا يصلح، فاتهمه المنصور بالكذب، فجاء رد أبي حنيفة قاطعا ومحكما، إذ قال إن الخليفة قد حكم عليه بعدم الصلاح، فإن كان كاذبا فلا يصلح، وإن كان صادقا فقد أقر بعدم صلاحيته، فكان الرد حجة لا مدخل لنقضها.

 

ازداد غضب المنصور وأقسم أن يحمله على المنصب قسرا، لكن الإمام أقسم بدوره ألا يتولى القضاء أبدا، وحين تدخل الربيع حاجب الخليفة مستنكرا كيف يحلف الإمام في مواجهة قسم أمير المؤمنين، جاءه جواب أبي حنيفة هادئا عميقا، بأن أمير المؤمنين أقدر على كفارة يمينه منه.

 

عندها وضع المنصور الإمام أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تولي القضاء وإما السجن، فاختار أبو حنيفة السجن، مستلهما موقف نبي الله يوسف حين آثر السجن على ما يخالف الحق.

 

أمر المنصور بضربه ثم زجه في سجن بغداد مكبلا بالقيود، وهناك في ظلام الزنازين، عانى الشيخ الكبير الذي تجاوز السبعين من عمره من تضييق شديد وتهديد دائم، أنهكه الجسد بفعل السنين والعلم والفتوى، لكن روحه بقيت صلبة لا تنكسر.

 

لم يحتمل الجسد المنهك هذا العذاب طويلا، فتوفي الإمام أبو حنيفة في سجنه في رجب سنة 150 هجرية، وهو مقيد بالأغلال، وتناقلت الروايات أن السم دُس له، فإن صح ذلك فقد مات شهيدا صابرا محتسبا، والله أعلم.

 

والمثير أن هذه المحنة القاسية لم تكن بسبب سيف ولا ثورة مسلحة، بل بسبب إصرار الإمام على حماية استقلال القضاء والفكر عن هيمنة السلطة السياسية، فقد أدرك أن القاضي المعين من قبل الحاكم لن يستطيع يوما أن يحاسبه أو يقف في وجه ظلمه، فاختار الألم والسجن على أن يفرط في مبدأ يراه حقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى