امارة باري الاسلامية الدولة التي قامت في قلب ايطاليا ثم سقطت بعد حصار طويل

تعد امارة باري الاسلامية واحدة من اغرب الصفحات في تاريخ اوروبا في العصور الوسطى، فقد قامت بالفعل دولة اسلامية صغيرة في قلب جنوب ايطاليا لمدة تقارب خمسة وعشرين عاما بين 847 و871م، وتمتعت بقدر كبير من الاستقلال السياسي والعسكري، لكنها واجهت تحالفا اوروبيا واسعا انتهى باسقاطها بعد حصار قاس، وهذه قصتها في تسلسلها التاريخي المعروف.
بداية امارة باري 847م
تقع مدينة باري على ساحل البحر الادرياتيكي في جنوب ايطاليا، وكانت في القرن التاسع الميلادي مدينة محصنة تتنازع السيطرة عليها قوى محلية عدة، خاصة اللومبارديين والبيزنطيين، في سنة 847م ظهر قائد عربي يعرف باسم خلفون ويقال له خلفون البربري، ويرجح انه قدم من شمال افريقيا او من صقلية، ومعه مجموعة من المقاتلين المسلمين، استغل خلفون حالة الضعف السياسي والانقسام في المنطقة، ففرض حصارا على المدينة، استمر الحصار مدة من الزمن، ثم اكتشف رجاله نقطة ضعف في سورها، فتسللوا ليلا وفاجأوا الحامية اللومباردية، وسيطروا على باري بسرعة، وفي صباح اليوم التالي اعلن خلفون قيام امارة اسلامية مستقلة في المدينة.
تنظيم الدولة الجديدة
لم تتحول باري الى مجرد قاعدة عسكرية، بل نظم خلفون ومن جاء بعده شؤونها على هيئة دولة قائمة، طبق نظام حكم اسلامي، وامن للمسيحيين كنائسهم واملاكهم وحرية ممارسة شعائرهم، وفرض الجزية مقابل الحماية، ونظم شؤون الضرائب والتجارة، واقام حامية قوية لحماية المدينة، وانشأ اسطولا بحريا عزز الوجود الاسلامي في البحر الادرياتيكي، وبهذا التحول صارت باري قاعدة بحرية مهمة ومركزا استراتيجيا مؤثرا في المنطقة.
حكم مفرق بن سلام وذروة القوة
بعد وفاة خلفون تولى الحكم قائد اخر اسمه مفرق بن سلام ويذكر ايضا باسم مفرك، وفي عهده بلغت الامارة ذروة اتساعها ونفوذها، قاد مفرق حملات عسكرية ضد امارات اللومبارد، فتوجه نحو بينيفنتو وساليرنو وسبوليتو وتليزي، ونفذ غزوات سريعة في بعض الاحيان، وعقد اتفاقات جزية في احيان اخرى، عزز بهذه التحركات مكانة باري وفرض حضورا سياسيا وعسكريا واضحا في جنوب ايطاليا.
باري مركز اسلامي في ايطاليا
في عهد مفرق تحولت باري الى مدينة اسلامية متكاملة الملامح، فبني مسجد جامع كبير، ونشأت اسواق نشطة، وازدهرت التجارة، واستقر عدد من المسلمين في المدينة، ويرجح بعض المؤرخين ان المسجد الكبير اقيم في موقع كاتدرائية باري الحالية، لكن الادلة لا تحسم هذا الامر بشكل قاطع.
الصراعات الداخلية وبداية الضعف
واجهت الامارة لاحقا مشكلات داخلية خطيرة، فاندلع صراع بين العرب والبربر، وظهرت نزاعات حول الغنائم والنفوذ، وتفاقمت الخلافات السياسية، انتهت هذه الاضطرابات باغتيال الامير مفرق بن سلام، وفتح اغتياله بابا لمرحلة من الاضطراب اضعفت تماسك الدولة ومهدت لتحديات اكبر.
الامير سودان ومحاولة استعادة القوة
برز بعد تلك الفوضى امير قوي عرف باسم سودان ويقال له سودان الماوري، فاعاد تنظيم شؤون الحكم، ووزع الاراضي، وخفف حدة النزاعات، وعزز قوة الجيش، قاد حملات عسكرية ضد كابوا وكانوزا ومناطق حول نابولي، وحقق عدة انتصارات اعادت للامارة بعض هيبتها العسكرية.
اعتراف الخلافة العباسية
في سنة 864م حصل سودان على اعتراف رسمي من الخليفة العباسي المتوكل على الله، واصبح واليا على باري باسم الدولة العباسية، يكشف هذا الاعتراف ان الامارة لم تمثل مجرد جماعة مقاتلة او نشاطا عسكريا عابرا، بل مثلت كيانا سياسيا ارتبط اسميا بالخلافة وحظي بشرعية رسمية.
الخطر الاوروبي والتحالف ضد باري
اثار وجود امارة اسلامية في قلب جنوب ايطاليا قلق القوى المسيحية المجاورة، فتشكل تحالف واسع قاده الامبراطور لويس الثاني، وانضم اليه امراء بينيفنتو وساليرنو ونابولي، ثم شاركت قوات بيزنطية لاحقا، اتفق هؤلاء على انهاء الوجود الاسلامي في باري وبدؤوا اعداد حملة طويلة المدى.
حصار باري 867 الى 871م
فرض التحالف حصارا شديدا على المدينة ابتداء من سنة 867م، واستمر الحصار نحو اربع سنوات، خلال هذه الفترة انتشرت الامراض بين السكان، وقل الطعام، وضعفت الحامية، وانقطع الامداد البحري الذي كان يشكل شريان الحياة للامارة، تحملت باري ضغوطا قاسية لكنها فقدت تدريجيا قدرتها على الصمود
سقوط الامارة 871م
في فبراير سنة 871م تمكنت قوات التحالف من دخول المدينة، فسقطت باري وانتهت الامارة بعد خمسة وعشرين عاما من قيامها، تذكر المصادر الاوروبية ان عددا كبيرا من المسلمين قتلوا، واسر اخرون، وتعرضت اجزاء من المدينة للتدمير، وقع الامير سودان في الاسر ونقل الى الشمال، وبهذا اسدل الستار على التجربة الاسلامية في باري
اثر المسلمين في باري
رغم قصر عمر الامارة، ترك المسلمون بصمات واضحة في الزراعة والتجارة والعمران، ادخلوا زراعة القطن وقصب السكر، وطوروا تقنيات الري، ونشروا اساليب زراعية متقدمة، تحولت باري في عهدهم الى مركز تجاري مهم يربط بين العالم الاسلامي وايطاليا والبلقان، وانشئت اسواق ومرافق واحياء جديدة اسهمت في تنشيط الحياة الاقتصادية.
هل كانت امارة قوية فعلا
اتسمت امارة باري بالقوة العسكرية والنشاط السياسي، لكنها ظلت دولة صغيرة محاطة بالاعداء، وقليلة السكان، وبعيدة عن مركز الخلافة في المشرق، لذلك واجهت صعوبات استراتيجية كبيرة، وجعل هذا الوضع سقوطها امرا متوقعا مع استمرار الحصار وتكثيف التحالفات ضدها.
حقيقة تاريخية مهمة
لا تمثل امارة باري الوجود الاسلامي الوحيد في اوروبا، فقد عرف جنوب فرنسا امارات اسلامية، وشهدت صقلية حكما اسلاميا، وقامت الاندلس في اسبانيا قرونا طويلة، لكن امارة باري تميزت بكونها قامت داخل ايطاليا نفسها، وفي قلب بيئة اوروبية متنازعة، مما منحها مكانة خاصة في التاريخ الاوروبي الوسيط.



