حي الأزاريطة بين عراقة التاريخ وصدمة الحاضر

تعد منطقة الأزاريطة التابعة لنطاق حي وسط بمحافظة الإسكندرية واحدة من أرقى وأعرق مناطق المدينة، حيث ارتبط اسمها على مدار عقود طويلة بسكن الصفوة والنخب العلمية والاجتماعية، وتتميز بموقع استثنائي يضعها في قلب الإسكندرية، إذ تضم كلية طب الأسنان، وتقع على مسافة قريبة من مسجد القائد إبراهيم ومكتبة الإسكندرية، كما لا يفصلها عن مقر حي وسط الإسكندرية سوى نحو مائة وعشرين مترا فقط، في مفارقة لافتة بين الرقي التاريخي وقربها من مركز الإدارة المحلية.
تاريخ حي الأزاريطة
ورغم هذه المكانة المرموقة، شهدت منطقة الأزاريطة فجر اليوم كارثة إنسانية مؤلمة، تمثلت في سقوط عقار مائل على عقار آخر مقابل له، ما أدى إلى تشريد تسع عشرة أسرة كاملة، في مشهد أعاد إلى الواجهة مخاوف انهيار العقارات القديمة داخل مناطق يفترض أنها من الأكثر أمانا وتنظيما في المدينة.
ويرجع تصنيف حي الأزاريطة كأحد أرقى أحياء الإسكندرية إلى عدة أسباب جوهرية، يأتي في مقدمتها موقعه الجغرافي الفريد، حيث يقع في منتصف محافظة الإسكندرية تقريبا، كما يعد من أقدم أحياء المدينة على الإطلاق، وتظهر فيه بوضوح ملامح الفن الروماني واليوناني القديم في طراز البناء، وهي السمات المعمارية التي تنتشر في وسط الإسكندرية وتمثل هوية تاريخية مميزة للمدينة.
ويعود تاريخ إنشاء منطقة الأزاريطة إلى فترة حكم محمد علي باشا، حاكم مصر، الذي سعى إلى النهوض بمدينة الإسكندرية وتحويلها إلى مركز حضاري وتجاري متقدم، فأنشأ بها مجلسا صحيا، ومع انتشار مرض الكوليرا آنذاك، اتجه إلى تطبيق نظام الحجر الصحي المتبع في أوروبا، فجمع قناصل الدول الأجنبية وشكل لجنة مختصة، وأصدر بعدها قرار إنشاء أول محجر صحي بجوار الميناء الشرقي، حيث كانت ترسو سفن الجاليات الأوروبية والأجنبية القادمة إلى المدينة.
وحمل المحجر الصحي اسم لازاريتية، وهو اسم ذو أصل لاتيني، نسبة إلى أول محجر صحي أنشئ في فرنسا بجزيرة سانت ماري دو نازاريه، التي كانت تستقبل القادمين من الشرق، فأنشئ بها هذا النظام كإجراء وقائي صحي، ويشغل موقع هذا المحجر حاليا مستشفى الجامعة الرئيسي المعروف بالمستشفى الأميري.
وخلال العصر البطلمي، مثلت الأزاريطة الحي الملكي المعروف باسم البركيون، والذي ضم مكتبة الإسكندرية القديمة والمجمع العلمي الموسيون، اللذين لعبا دورا محوريا في نشر العلم والمعرفة إلى مختلف أنحاء العالم، واستمر هذا الدور حتى عام 272 ميلادية، عندما أقدم الإمبراطور أوريليان على إحراق الحي بالكامل، بما ضمه من معابد ومقابر ملكية، في واحدة من أكثر الفترات مأساوية في تاريخ المدينة.
وعرفت الأزاريطة لاحقا كحي كوزموبوليتاني بامتياز، إذ سكنت بها جاليات متعددة من مختلف الجنسيات، وكان اليونانيون يشكلون النسبة الأكبر من سكانها، واشتغلوا بالتجارة والبقالة، وبرز داخل الحي ما عرف بالمربع اليوناني، الذي ضم المدرسة اليونانية سالفاجو، والملجأ اليوناني مانا، إلى جانب مقر النادي اليوناني الواقع على ناصية شارع سوتر، حيث كانت تقام الحفلات وتعلو موسيقى السهرات في أرجاء الحي.
وعقب ثورة يوليو عام 1952، غادرت أغلب الجاليات الأجنبية مدينة الإسكندرية، فتحولت محالهم التجارية في الأزاريطة إلى ورش للحرفيين وورش لقطع غيار السيارات، خاصة في الجزء الجنوبي من الحي، بينما احتفظ الجزء الشمالي بطابعه الراقي، ليظل شاهدا على تاريخ طويل من التنوع والرقي، يصطدم اليوم بواقع مؤلم يطرح تساؤلات كبرى حول سلامة المباني القديمة ومستقبل هذا الحي العريق.



