تاريخ باب زويلة.. الشاهد على آخر أنفاس الدولة المملوكية

أميرة جادو
في قلب القاهرة القديمة، يقف باب زويلة شامخًا كصرح لا يشبه غيره، يروي حكايات منسية وحكايات محفورة في ذاكرة الحجارة، بوابة عبرت منها جيوش وسقط عندها ملوك، تحكي جدرانه عن القاهرة الفاطمية بكل تقلباتها، من ازدهار الدولة الفاطمية إلى سطوة المماليك ثم الهيبة العثمانية، لم يكن هذا الباب مجرد معبر بل سجلًا حيًا لدهور من التحولات الكبرى التي شكلت وجه مصر.
المكان الذي بكى فيه التاريخ
في ساحة باب زويلة كتبت إحدى أكثر الصفحات مأساوية في تاريخ مصر، حين شنق السلطان طومان باي آخر سلاطين المماليك على عتبته، وظلت روحه المعلقة هناك تذكر كل عابر بما كان وما لن ينسى، لحظة الانكسار تلك لم تكن الأولى في تاريخ الباب، بل تعاقبت عليه مشاهد الانتصار والهزيمة، وظل واقفًا يشهد ويصمت، ومنذ ذلك الزمن، ظل هذا المعلم محل عناية خاصة حيث خضع لعمليات ترميم متعددة ليبقى حاضرًا بجلاله وسط زحام المدينة الحديثة.
سبب تسمية باب زويلة
يعود اسم باب زويلة إلى قبيلة بربرية انضمت إلى جيش القائد جوهر الصقلي القادم من شمال أفريقيا لفتح مصر، وفي عام 485هـ-1092 أمر أمير الجيوش بدر الجمالي ببناء هذا الباب الذي أصبح لاحقًا رمزًا للردع والهيبة، فقد علّقت عليه رؤوس رسل هولاكو قائد التتار عندما حاول تهديد المصريين، وأعدم عنده طومان باي حين أسقط سليم الأول دولة المماليك وضم البلاد إلى السلطنة العثمانية.
باب زويلة هو واحد من ثلاث بوابات ضخمة بقيت من أسوار القاهرة الفاطمية، بني في الجهة الجنوبية بعد بابي النصر والفتوح بحوالي خمس سنوات، ويعد دليلًا نادرًا على براعة العمارة الحربية الفاطمية، بعرض يصل إلى نحو 4.82 متر وبرجين دائريين يحتضنان المدخل، وقد استُخدمت قواعد البرجين لاحقًا لتشييد مئذنتي مسجد السلطان المؤيد شيخ المتصل بالباب.
حين يتحول المعبر إلى محراب وسيف
في بداية القرن التاسع الهجري تم تشييد مسجد المؤيد شيخ عند الباب، واستغلت قاعدتا برجيه لبناء مئذنتي المسجد، أما تسمية “بوابة المتولي” فترتبط بجلوس متولي الحسبة أمامه لتحصيل ضرائب الدخول، وبقيت تلك التسمية في وجدان العامة إلى جانب “باب زويلة”، وقد خلد الشعراء هذا الباب في أبيات مدهشة، أبرزها بيت الشاعر علي بن محمد النيلي حين قال “يا صاح لو أبصرت باب زويلة، لعلمت قدر محله بنيانا”.



