7 يناير عيد الميلاد المجيد رسالة النور والسلام التي وحدت التاريخ والإنسان
ساعات قليلة ويستقبل مسيحيو مصر عيد الميلاد المجيد، الذي يعد ثاني أهم الأعياد المسيحية بعد عيد القيامة، حيث يحتفل المسيحيون الشرقيون بذكرى ميلاد السيد المسيح في السابع من يناير من كل عام، تخليدا لحدث محوري غير مسار البشرية، وقسم التاريخ إلى ما قبل الميلاد وما بعده، ولم يكن ميلاد المسيح مجرد واقعة زمنية، بل رسالة خلاص حملت للإنسان ثلاثة معان عميقة تشكل علاجا دائما للضعف البشري، وهي المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة.
قصة الاحتفال بـ عيد الميلاد المجيد
وعلى مدار قرون طويلة، احتفل العالم المسيحي بعيد الميلاد في الخامس والعشرين من ديسمبر، وفقا لما أقره مجمع نيقية عام 325 ميلادية، حين تقرر أن يكون الاحتفال في يوم التاسع والعشرين من شهر كيهك حسب التقويم الشرقي، الموافق الخامس والعشرين من ديسمبر في التقويم اليولياني الغربي، واستمر العمل بهذا التوقيت حتى عام 1582، عندما لاحظ علماء الفلك في عهد البابا جريجوريوس الثالث عشر وجود خطأ في حساب طول السنة الشمسية، إذ كان التقويم اليولياني يحتسب السنة على أنها 365 يوما وربع اليوم، بينما تبلغ في الحقيقة 365 يوما و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية، أي أقل بفارق 11 دقيقة و14 ثانية.
هذا الفارق البسيط أدى مع مرور الزمن إلى اختلاف ملحوظ بين التقويمين، وهو ما نتج عنه انفصال مواعيد الاحتفال بعيد الميلاد بين مسيحيي الشرق من جهة، ومسيحيي الغرب من كاثوليك وبروتستانت من جهة أخرى، ففي عام 1582 وافق يوم 29 كيهك يوم الرابع من يناير، ولتصحيح هذا الخلل أرسى الفلكيون قاعدة تقضي بحذف ثلاثة أيام كل أربعمائة عام، وبمرور الوقت تراكم الفرق ليصل إلى ثلاثة عشر يوما، فأصبح يوم 29 كيهك في التقويم القبطي يوافق السابع من يناير في التقويم الميلادي، وسيستمر هذا التوافق حتى عام 2094، حيث سيوافق العيد حينها الثامن من يناير.
ويمثل عيد الميلاد المجيد تذكارا لميلاد السيد المسيح، ويبدأ الاحتفال به في الكنائس الغربية من ليلة الرابع والعشرين من ديسمبر ونهار الخامس والعشرين، بينما تحتفل الكنائس التي تتبع التقويم اليولياني بعشية السادس من يناير ونهار السابع من يناير، نتيجة اختلاف التقويمين، ورغم أن الكتاب المقدس لم يذكر تاريخا محددا لميلاد السيد المسيح، فإن آباء الكنيسة حددوا هذا الموعد منذ مجمع نيقية، واعتمد التقليد الكنسي أن يكون الميلاد في منتصف الليل، وهو ما ورد أيضا في إنجيل الطفولة ليعقوب المنحول في القرن الثالث.
وقد جاء اختيار الخامس والعشرين من ديسمبر رمزا روحيا، إذ كان هذا اليوم قبل المسيحية عيدا وثنيا لتكريم الشمس، فاختار آباء الكنيسة هذا الموعد ليكون رمزا للمسيح باعتباره شمس العهد الجديد ونور العالم، في رسالة لاهوتية عميقة تعبر عن الانتصار على الظلمة وبداية الخلاص.
ويعد عيد الميلاد ذروة زمن الميلاد في الكنائس المسيحية، وهو زمن روحي تستذكر فيه أحداثا كبرى، مثل بشارة العذراء مريم، وميلاد يوحنا المعمدان، وختان السيد المسيح، ويختلف توقيت هذا الزمن من ثقافة كنسية إلى أخرى، لكنه ينتهي غالبا في السادس من يناير بعيد الغطاس، الذي يحيي ذكرى معمودية السيد المسيح.
وتتجلى مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد المجيد في مصر في أبهى صورها، حيث تقام الصلوات والقداسات في الكنائس والكاتدرائيات، وعلى رأسها قداس عيد الميلاد، إلى جانب الاحتفالات الاجتماعية، والتجمعات العائلية، وتبادل التهاني والهدايا، ووضع شجرة ومغارة الميلاد، وإقامة صلوات خاصة بالمناسبة، كما تحضر رموز العيد في البيوت، مثل شجرة الميلاد، وبابا نويل، وعشاء الميلاد، في أجواء يغمرها الفرح والمحبة.
ويشارك المصريون المسلمون إخوانهم المسيحيين فرحة العيد، حيث يعد عيد الميلاد عطلة رسمية في مصر، وهو ما يعكس عمق التعايش والمحبة بين أبناء الوطن الواحد، ويجسد صورة فريدة من الوحدة الوطنية التي تميز المجتمع المصري.
ويتميز قداس عيد الميلاد بالترانيم التي ارتبطت بهذه المناسبة عبر العصور، إذ شكل الميلاد موضوعا ملهما للعديد من الأناشيد والقصائد الروحية، ويعد أفرام السرياني من أوائل من نظم قصائد ملحنة للميلاد، حتى لقب بشاعر الميلاد، ولا تزال ترانيمه تتردد حتى اليوم في الكنائس ذات الطقوس السريانية، شاهدة على عمق الأثر الروحي والفني لهذا العيد.
ويبقى عيد الميلاد المجيد مناسبة جامعة، تحمل رسالة سلام ونور، وتؤكد أن ميلاد المسيح لم يكن حدثا عابرا في التاريخ، بل نقطة تحول إنسانية وروحية ما زالت تلهم الملايين، وتدعو إلى المحبة، والسلام، والفرح بين البشر.



