مسجد الخرطوم العتيق شاهد الروح والتاريخ في قلب العاصمة السودانية
يعد مسجد الخرطوم العتيق واحدا من أقدم وأشهر المساجد في السودان، وأحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية التي شكلت جزءا أصيلا من ذاكرة العاصمة السودانية وهويتها الإسلامية، فمنذ تأسيسه في القرن التاسع عشر، لم يكن المسجد مجرد مكان تقام فيه الصلوات، بل تحول إلى رمز ديني وثقافي واجتماعي لعب دورا محوريا في حياة السودانيين عبر الأجيال، وظل شاهدا على التحولات التاريخية التي مرت بها الخرطوم والسودان بوجه عام.
ومنذ نشأته، ارتبط مسجد الخرطوم العتيق بالمجتمع ارتباطا وثيقا، حيث استقطب العلماء وطلاب العلم، واحتضن النقاشات الفكرية والدروس الدينية، وكان ملتقى لشخصيات دينية وسياسية بارزة، ما جعله مركز إشعاع ديني وثقافي لا يمكن فصله عن تاريخ المدينة.
تاريخ تأسيس مسجد الخرطوم العتيق
تعود نشأة مسجد الخرطوم العتيق إلى عام 1821م، خلال فترة حكم محمد علي باشا، الذي كان يتولى حكم مصر والسودان في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ المنطقة، وقد اختير للمسجد موقع استراتيجي في قلب الخرطوم القديمة، بالقرب من ملتقى النيل الأبيض بالنيل الأزرق، وهو موقع يرمز إلى الأهمية الجغرافية والدينية للمكان، ويعكس رؤية واضحة لدور المسجد في الحياة العامة.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن محمد علي باشا أمر ببناء المسجد ليكون مؤسسة دينية تعليمية، تهدف إلى تعليم القرآن الكريم، وتوفير مكان جامع للمسلمين في العاصمة الناشئة آنذاك، وبذلك تزامن بناء المسجد مع بدايات النفوذ العثماني في السودان، ليصبح شاهدا حيا على مرحلة سياسية ودينية مهمة في تاريخ البلاد.
وعلى الرغم من مرور المسجد بعدد من أعمال الترميم والتجديد عبر العقود، إلا أن طابعه المعماري القديم ظل محتفظا بالكثير من ملامحه الأصلية، ما جعله نموذجا حيا للعمارة الإسلامية في القرن التاسع عشر.
العمارة والتصميم المعماري
يمتاز مسجد الخرطوم العتيق بتصميم معماري يجمع بين الطراز الإسلامي التقليدي واللمسات المحلية التي تعكس البيئة السودانية، ويتكون المسجد من ساحة صلاة واسعة، مغطاة بالسجاد، تحيط بها جدران ذات زخارف بسيطة ونوافذ تعكس التأثيرات العثمانية في البناء.
وتبرز مئذنة المسجد كأحد أهم معالمه، حيث تشرف على المنطقة المحيطة، وتمنح المكان حضورا بصريا وروحيا مميزا، جعل من المسجد علامة معروفة في المشهد العمراني للخرطوم، كما استخدمت في البناء مواد تقليدية مثل الطين واللبن، مع أعمدة خشبية تشكل الأسقف والأقواس، وهو ما يعكس انسجام العمارة مع البيئة المحلية.
ويعد المحراب أحد أجمل عناصر المسجد، إذ زخرف بأسلوب فني يعكس جماليات الفن الإسلامي في تلك الحقبة، كما صممت مداخل المسجد بشكل يسمح بانسيابية الحركة واستيعاب أعداد كبيرة من المصلين، خاصة في صلاة الجمعة والمناسبات الدينية الكبرى.
الدور الديني والاجتماعي للمسجد
لعب مسجد الخرطوم العتيق دورا محوريا في الحياة الدينية والاجتماعية للسودانيين، حيث ظل عبر تاريخه الطويل مركزا للعبادة والتعليم الديني. ولم يقتصر دوره على إقامة الصلوات، بل كان منبرا لنشر العلوم الشرعية، مثل تفسير القرآن الكريم، والحديث الشريف، وأصول الفقه.
ومنذ تأسيسه، استقبل المسجد علماء ومفكرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأسهم في تخريج أجيال من طلبة العلم، الذين كان لهم دور بارز في الحياة الدينية والفكرية في السودان، كما شكل المسجد فضاء اجتماعيا مهما، حيث احتضن المناسبات الدينية، والاحتفالات بالأعياد، والأنشطة الثقافية التي تعزز الروابط الاجتماعية بين أبناء المجتمع.
ولم يغفل المسجد الجانب الإنساني، إذ كان مكانا لتقديم الدعم والمساعدة للفقراء والمحتاجين، خاصة في الأعياد والمواسم الدينية، ما عزز مكانته في قلوب السودانيين باعتباره مؤسسة دينية واجتماعية متكاملة.
مكانة المسجد في الحياة اليومية للسودانيين
لا يزال مسجد الخرطوم العتيق يحتفظ بمكانته في الحياة اليومية لسكان العاصمة، حيث يقصده المصلون بكثافة، خاصة في صلاة الجمعة والعيدين، كما يشهد المسجد أنشطة دينية مستمرة، من دروس فقه، وحلقات تحفيظ القرآن، ومحاضرات تناقش قضايا دينية واجتماعية تهم المجتمع.
ويعد المسجد أيضا وجهة مهمة للزوار والسياح، الذين يحرصون على التعرف على تاريخ الخرطوم وزيارة هذا المعلم العريق، لما يحمله من قيمة تاريخية وروحية تعكس عمق الثقافة الإسلامية في السودان، وتجسد التعايش بين الدين والهوية المحلية.
التحديات وجهود الحفاظ على المسجد
رغم مكانته التاريخية والدينية، يواجه مسجد الخرطوم العتيق تحديات متعددة، أبرزها التوسع العمراني السريع في العاصمة، والتغيرات البيئية التي قد تؤثر على سلامة المبنى مع مرور الزمن،ـ ولهذا تبذل جهود من قبل الجهات الرسمية والمؤسسات الدينية والثقافية للمحافظة على المسجد، وترميمه بما يحافظ على طابعه التاريخي دون المساس بروحه الأصيلة.
ويبقى مسجد الخرطوم العتيق واحدا من أهم الشواهد الحية على التاريخ الإسلامي في السودان، ورمزا للهوية الدينية والثقافية للعاصمة، ومع مرور السنين يواصل المسجد أداء رسالته الدينية والاجتماعية، مؤكدا أن الحفاظ على التراث ليس مجرد واجب ثقافي، بل مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة.



