تاريخ ومزارات

السامريون على جبل جرزيم بين قدسية التاريخ وتضييق الاحتلال

السامريون  على قمة جبل جرزيم في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية يقف السامريون كواحدة من أقدم الطوائف الحية في العالم يحملون تاريخا يمتد لآلاف السنين ويعتبرون أنفسهم الامتداد الأصيل لبني إسرائيل وورثة التوراة الأولى وبرغم قلة عددهم الذين لا يتجاوزون الألف شخص وفق أحدث التقديرات فقد حافظوا على لغتهم وطقوسهم ونسختهم الخاصة من الأسفار القديمة.

السامريون والتميز العقائدي

يؤمن السامريون أنهم سلالة بني إسرائيل الحقيقية وأنهم يختلفون عن اليهود ويملكون النسخة الأصلية من التوراة التي تعود إلى أكثر من 3600 عام ومكتوبة على جلد غزال ويعترفون بخمسة أسفار فقط ورغم قربهم العقائدي من اليهودية القديمة إلا أن إسرائيل التي تقدم نفسها كدولة اليهود لم تعترف بهم بل تعاملت معهم كخطر وجودي معتبرة إياهم خارج الإطار الديني الرسمي.

هذا الواقع جعل السامريين في موقع صعب فهم طائفة قريبة من اليهود عقائديا لكنها متشابكة اجتماعيا مع الفلسطينيين مما جعلهم محاصرين بين طرفين ومتعرضين للتضييق لأن ما يؤمنون به لا ينسجم مع الرواية السياسية التي تريد إسرائيل فرضها عن اليهودية.

نادر صدقة.. سامري في سجون الاحتلال

في هذا السياق تبرز قصة الأسير المحرر نادر صدقة الذي أمضى 21 عاما في سجون الاحتلال وكان يقول لمحققيه لا تجرني إلى مساحتك أنا أقاتل في مساحتي فقد حاول المحققون استغلال بعده الديني للضغط عليه لكن صدقة كان يصر على أنه يقاتل كمواطن فلسطيني لا كيهودي سامري

اعتقل نادر بعد ملاحقة استمرت عامين بتهمة المشاركة في خلية نفذت عمليات ضد الإسرائيليين ويؤكد أن الاحتلال حاول استخدام هويته الدينية ضده لكنه كان يواجههم باعتباره مناضلا وطنيا مؤكدا أن هويته السياسية كانت السبب الحقيقي وراء اعتقاله

خلال التحقيق خضع نادر لكل أشكال التعذيب الجسدي والنفسي والحرمان من النوم والطعام لكنه يرى أن الاختلاف في تجربته تمثل في الطابع الفضولي للمحققين الذين أرادوا فهم سبب وجود سامري يقف في صف المقاومة الفلسطينية الأمر الذي شكّل إرباكا للمؤسسة الإسرائيلية

بعد الإفراج عنه واجه صدقة مضايقات مستمرة ومحاولات لإسكاته داخل طائفته وعائلته من قبل أجهزة الاحتلال التي رأت في تجربته تهديدا لروايتها الأمنية والدينية

جبل جرزيم.. القدسية المحاصرة

بينما تعكس قصة صدقة البعد الإنساني لمعاناة السامريين فإن ما يحدث على جبل جرزيم يكشف الجانب الأوسع من التضييق إذ يواصل الاحتلال منذ سنوات تنفيذ حفريات أثرية وتصنيفات إدارية لتغيير هوية المكان الذي يعد القبلة الدينية للطائفة ومركز عقيدتها

وبحسب تقارير لمعهد الأبحاث التطبيقية في القدس فإن إسرائيل أعادت تصنيف عشرات المواقع الفلسطينية باعتبارها مناطق تراث قومي يهودي في محاولة لإعادة كتابة التاريخ وتقليص أي حضور ديني يناقض الرواية الصهيونية عن القدس

يؤكد سكرتير الطائفة لطفي فياض أن هذه الحفريات تستهدف نقل الموجودات الأثرية من الجبل إلى مناطق إسرائيلية بعيدة عن أيدي السامريين مشيرا إلى أن المنطقة العليا من الجبل حُددت كمنطقة أثرية يُمنع البناء فيها بينما يسمح للمستوطنين المجاورين بالتوسع العمراني بحرية

من جانبه يقول إسحاق رضوان أحد أبناء الطائفة إن الاحتلال يعمل على تغيير معالم الجبل لإثبات أن الموقع ليس مقدسا كما يعتقد السامريون لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الطائفة متمسكة بعبادتها وطقوسها في الكنيسة السامرية وعلى موقع الذبيحة كما ورثوها دون تغيير.

المعاناة اليومية للسامريين

يعيش السامريون اليوم بين طرفين سياسيين يحاولون البقاء طائفة موحدة تميل نحو الفلسطينيين وتبحث عن العدالة والسلام لكنهم يعانون من واقع معقد بسبب الحواجز العسكرية التي تعيق وصولهم إلى الجبل ويصف رضوان البوابة العسكرية عند قمته بأنها حاجز يشبه السجن يعرقل حياتهم ويحد من تنقلهم.

ويضيف فياض أن الاحتلال يفرض قيودا صارمة على البناء في أراضيهم داخل المنطقة المسماة ج في حين يسمح للمستوطنين بالبناء بحرية مما يزيد من شعور الطائفة بالتهميش.

التناقض الإسرائيلي في معاملة السامريين

تكشف ممارسات الاحتلال تجاه السامريين عن تناقض واضح بين ادعائه حماية الأقليات وبين الواقع الذي يفرضه على الأرض إذ يرى نادر صدقة أن وجود يهود معادين للصهيونية يربك إسرائيل لأنها تحطم روايتها التي تربط الدين بالمشروع السياسي الصهيوني ومن هنا وصفتهم بمصطلح اليهودي الكاره لنفسه.

ويقول سكرتير الطائفة لطفي فياض إن الاحتلال يحاول تحويل المواقع الدينية إلى نقاط خلاف سياسي بدلا من احترام قدسيتها مما يضاعف من معاناة السامريين ويحد من حريتهم الدينية.

ويرى إسحاق رضوان أن السامريين لا يستطيعون الابتعاد عن السياسة لأن الواقع الفلسطيني يجعلها حاضرة في كل تفاصيل الحياة رغم محاولاتهم النأي بأنفسهم عنها.

المشروع التوسعي الإسرائيلي

يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة موري ستيت إحسان الخطيب أن إسرائيل تتبنى مشروعا توسعيا يسعى للهيمنة على الأرض والمقدسات ولا يكترث بالأقليات مشيرا إلى أن الاحتلال حوّل بعض المساجد إلى متاحف ومطاعم وتعدى على مقبرة مأمن الله وسرق أراضيها في رسالة واضحة أن إسرائيل هي دولة اليهود وحدهم.

ويضيف الخطيب أن جبل جرزيم ونابلس القديمة مدرجان في قائمة التراث العالمي المؤقتة لليونسكو إلا أن سياسات الاحتلال تهدف لإعادة تعريف المواقع التاريخية وفق روايتها مشيرا إلى أن اعتقال نادر صدقة جزء من هذه السياسة التي تستهدف كل من يتبنى الهوية الفلسطينية حتى لو كان يهوديا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى