تاريخ ومزارات

نور الدين زنكي.. القائد الزاهد الذي وحد المسلمين وكسر هيبة الصليبيين

في بلاد الشام الجريحة، حين ارتفعت رايات الصليبيين فوق عدد من المدن، وتفرقت كلمة المسلمين بين امراء يتنازعون الحكم والسلطة، ولد في مدينة حلب طفل حمل اسم نور الدين محمود، وذلك في يوم الاحد 17 شوال سنة 511 هـ الموافق 1118 م، جاء ميلاده في بيت عرف القوة والجهاد، فهو ابن عماد الدين زنكي الذي اسس دولة قوية في الشام وبدأ مواجهة الغزاة الصليبيين بكل حزم.

من هو نور الدين زنكي

نشأ نور الدين في ظل والده القائد الشجاع، فحفظ القرآن الكريم منذ صغره، وتعلم الفروسية والرمي، وتربى على معاني الشجاعة والكرامة. امتلك عزيمة كبيرة وقلبا مملوءا بحب الاسلام والعدل،وعندما اغتيل والده سنة 541 هـ الموافق 1146 م، انقسمت الدولة بين الابناء، فتولى اخوه الاكبر سيف الدين غازي حكم الموصل، بينما تولى نور الدين حكم حلب وما حولها، وكان في الثلاثين من عمره تقريبا.

ومنذ اللحظة الاولى لوصوله الى الحكم وضع نور الدين خطة واضحة في ذهنه، فقد ادرك ان مواجهة الصليبيين لن تنجح الا بعد توحيد صفوف المسلمين. لذلك بدأ بتقوية المدن وتحصين الثغور، وبناء الاسوار حول الحواضر المهمة، كما اقام الخانات على الطرق لتأمين المسافرين والحجاج، ازال المكوس الظالمة التي اثقلت كاهل الناس، ومنح عرب البادية اقطاعيات ليحموا الطرق بدلا من الاعتداء عليها، واهتم بالعلم فبنى المدارس الكثيرة مثل المدرسة النورية والعادلية ودار الحديث، ويذكر المؤرخون انه اول من خصص مدرسة لتدريس الحديث النبوي الشريف. كما شيد في الموصل الجامع النوري العظيم الذي بقي شاهدا على عظمة عهده.

 

عرف الناس نور الدين رجلا زاهدا تقيا، حافظ على الصلوات في جماعة، واكثر من تلاوة القرآن الكريم، وجلس عدة ايام كل اسبوع مع العلماء والفقهاء يسألهم في امور الدين وما يشكل عليه منها، وقد وصفه المؤرخ ابن كثير بانه كان عفيفا في نفسه، معتدلا في نفقته، حتى قال الناس ان بعض الفقراء في زمانه كان ينفق اكثر منه، ولم يسمع منه احد كلمة فاحشة في غضب او رضا، وكان وقورا هادئا قليل الكلام.

 

ولم يتردد نور الدين في مواجهة اي تمرد داخلي اذا كان ذلك يحفظ وحدة الدولة. فعندما تمرد صاحب منبج حاصره حتى اخرجه من المدينة، ثم اسند الحكم الى اخيه قطب الدين، وعندما مرض فخر الدين ارسلان صاحب ديار بكر وحصن كيفا واوصى بولده الصغير الى نور الدين، حمى نور الدين ذلك الابن من طمع اخيه قطب الدين، وكتب اليه رسالة حازمة يؤكد فيها انه سيمنعه بالقوة اذا حاول الاستيلاء على تلك البلاد.

 

وفي سنة 565 هـ ضربت الزلازل القوية مدن الشام فدمرت اجزاء كبيرة من دمشق وحمص وحماة وحلب وبعلبك وغيرها من المدن. خرج نور الدين بنفسه ليعيد اعمار ما تهدم، فبدأ بمدينة بعلبك ثم توجه الى حمص ثم حلب، اقام خارج المدن خوفا من تكرار الزلزال، واشرف بنفسه على اعمال البناء حتى اعاد تحصين الاسوار والجوامع واعاد الحياة الى تلك المدن.

 

وبعد وفاة اخيه قطب الدين مودود ظهر وزيره فخر الدين عبد المسيح الذي حاول تحويل الحكم من ابن قطب الدين الاكبر عماد الدين الى اخيه الاصغر سيف الدين غازي، طلب عماد الدين مساعدة عمه نور الدين، فتحرك نور الدين بجيشه وسيطر على الخابور ونصيبين وسنجار، ثم حاصر الموصل حتى تسلمها، دخل القلعة من اقوى ابوابها كما اقسم، وازال المظالم ونشر العدل، ثم كرم ابن اخيه سيف الدين وامره ببناء الجامع النوري ليكون رمزا للدولة.

 

ولم يغفل نور الدين عن مصر التي كانت تعيش اضطرابا سياسيا تحت حكم الدولة الفاطمية، فقد رأى ان توحيد الشام ومصر ضرورة كبرى لمواجهة الصليبيين، لذلك ارسل القائد اسد الدين شيركوه ومعه ابن اخيه صلاح الدين الايوبي الى مصر، وبعد وفاة شيركوه تولى صلاح الدين الوزارة، ثم انهى الدولة الفاطمية سنة 567 هـ الموافق 1171 م واعاد مصر الى مذهب اهل السنة، وكان صلاح الدين قد تربى على يد نور الدين منذ صغره، فعلمه الجهاد ورباه على نصرة الاسلام.

 

واهتم نور الدين كذلك بوسائل الاتصال السريعة بين اجزاء دولته، ففي سنة 567 هـ استخدم الحمام الزاجل لارسال الرسائل بسرعة بين المدن، كما استعان بمليح بن ليون الارمني لحماية الثغور الشمالية، فوقف الرجل مخلصا معه وشارك في الحروب ونجح في صد هجمات الروم على حدود الدولة.

 

قضى نور الدين حياته كلها بين الجهاد والعبادة ونشر العدل بين الناس، حتى توفي في دمشق سنة 569 هـ الموافق 1174 م، ترك خلفه دولة قوية موحدة وجيشا منظما وشعبا يحبه ويحترم عدله، كما ترك تلميذا عظيما هو صلاح الدين الايوبي الذي واصل الطريق حتى استعاد القدس من الصليبيين، لقد كان نور الدين حقا نورا يضيء زمن الظلام، ملكا عادلا زاهدا وقائدا مجاهدا لا ينام الا بعد ان يهيئ نفسه للجهاد، ولا ينفق ماله الا في سبيل الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى