اللباس العربي القديم في الصحراء الكبرى أناقة البساطة وحكمة الرمال

كتبت شيماء طه
في الصحراء الكبرى، حيث الشمس لا ترحم والرمال لا تنتهي، لم يكن اللباس مجرد غطاء للجسد، بل درعًا من الحكمة والهوية. هناك، تعلّم الإنسان العربي كيف يجعل من الثوب وسيلة لحماية نفسه من الطبيعة القاسية، وفي الوقت نفسه رمزًا للعزة والانتماء.
فاللباس العربي القديم في الصحراء لم يُخلق من فراغ، بل من تجربة طويلة مع الحر، والعواصف، والترحال، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من الثقافة البدوية التي تمزج بين البساطة والوقار.
الرجال في الصحراء الكبرى كانوا يرتدون ما يُعرف بـ “الدرع” أو “الدراعة”، وهو ثوب فضفاض طويل من القماش القطني أو الكتاني، بألوان فاتحة كالأبيض أو الرملي تعكس حرارة الشمس. هذا الثوب لم يكن فقط مريحًا للحركة، بل يسمح بمرور الهواء، فيحافظ على برودة الجسد.
أما الرأس، فكان يُغطى بـ العمامة أو اللثام المعروف في شمال إفريقيا باسم “التاجلْمُست”، وهو قماش طويل يُلفّ حول الرأس والوجه ليحمي من الرمال والحرارة، ولا يُترك منه سوى العينان.
وكانت العمامة تحمل أيضًا دلالة اجتماعية وقَبلية، إذ يختلف لونها وطريقة لفها من قبيلة إلى أخرى. فعمامة الطوارق مثلًا تكون زرقاء داكنة تصبغ وجوههم بلونٍ مائل إلى الأزرق، حتى لُقّبوا بـ “الرجال الزُرق”، وهي ليست فقط زينة بل علامة تميّز وهوية لا يخطئها أحد.
أما النساء فكان لباسهن يجمع بين الحشمة والرمزية، إذ يرتدين “الملحفة” أو “السِروال الواسع”، ويغطين الرأس بوشاح طويل يُسمى “الخمار” أو “السَّبْلة”. وغالبًا ما تُطرّز هذه الملابس بخيوط فضية أو ذهبية بسيطة، وتُزيَّن الحواف بزخارف تُعبّر عن مهارة المرأة وحالتها الاجتماعية.
في الأعراس والمناسبات، كانت النساء يُضفن ألوانًا أكثر إشراقًا كالأحمر النيلي أو البنفسجي، مع عقود من الفضة تُعرف باسم “الخناق” وأساور تُصنع يدويًا من النحاس أو العقيق.
المثير في اللباس العربي القديم بالصحراء أنه لم يكن مجرد زيّ، بل رمز للكرامة والحرية. فالثوب الفضفاض كان يسمح للفارس بالركوب بسهولة، وللرجل بالجلوس في مجالس الشيوخ بوقار. وكان يُقال:
> “هيبة الرجل في عمامته، وعزّه في ردائه.”
حتى الأطفال كان لهم نصيب من هذه الهوية، إذ كانوا يرتدون نسخًا مصغّرة من الدراعة أو الجلابية، ويتعلمون منذ الصغر كيف يلفّون العمامة ويحترمون زيّ القبيلة.
من الناحية البيئية، صُمم اللباس الصحراوي بذكاء فريد.
الأقمشة القطنية كانت تسمح بتهوية الجسم، والطبقات المتعددة كانت تحمي من حرارة النهار وبرودة الليل، بينما الألوان الفاتحة تقلل امتصاص الشمس. وهكذا، تحوّل اللباس إلى وسيلة تكيّف طبيعية مع المناخ قبل أن يعرف العالم علوم الأقمشة الحديثة.
أما الأحذية، فكانت تُصنع من جلود الإبل أو الماعز، خفيفة الوزن، تُسمى “النعال الصحراوية”، تسمح بالمشي لمسافات طويلة على الرمال دون أن تغوص القدم.
مع مرور الزمن، تطوّر اللباس وتنوّعت خاماته، لكن جوهره ظل كما هو: بساطة في الشكل، وعمق في المعنى. حتى اليوم، ما زال أبناء الصحراء في ليبيا، وتشاد، والنيجر، وموريتانيا، والمغرب يرتدون الدراعة والملحفة، يفتخرون بها في المهرجانات والمناسبات، كأنهم يقولون للعالم:
> “هذا لباسٌ من صُنع الشمس والرمال، لا تذروه الرياح.”
لقد أثبت اللباس العربي القديم في الصحراء الكبرى أنه أكثر من قطعة قماش؛ إنه تاريخ يُروى بخيوطٍ من الصبر والكرم، وهوية تُقاوم النسيان.
فكل طيّةٍ في العمامة تحمل قصة، وكل غرزةٍ في الملحفة تروي حكاية، وكل لونٍ من ألوان الثوب يهمس بأن البدوي كان وما زال سيد الصحراء وأنيقها الأبدى .



