ميافارقين.. قلعة الصمود التي تحدت هولاكو وسقطت مرفوعة الرأس
في زمنٍ غدا فيه الشرق مكسور الجناح بعد سقوط بغداد، حين تحولت عاصمة الخلافة العباسية إلى أطلالٍ يعلوها غبار المغول، ارتجفت الممالك الإسلامية أمام بطش هولاكو خانن و كان سيفه يحصد المدن كما تحصد الرياح السنابل، فسارع الملوك والأمراء إلى الانحناء أمامه، يقبلون يده درءًا لغضبه الذي لا يرحم شيخًا ولا طفلاً، وبين هذا البحر من الخنوع، ارتفع صوت مختلف، من مدينة صغيرة اسمها ميافارقين، حيث قرر حاكمها الكامل محمد أن يقف في وجه العاصفة، وحيدًا، ليكتب صفحة نادرة من تاريخ الصمود.
مدينة صغيرة وسط طوق الخيانة
ميافارقين لم تكن سوى قلعة متواضعة بين جبال ديار بكر، لكن جدرانها حملت ما لم تحمله ممالك بأكملها من الشرق، خضع الأرمن لهيثوم، ومن الشمال الشرقي انحنى الكرج، ومن الغرب قدّم سلاجقة الأناضول ولاءهم، ومن الجنوب سارعت إمارات الموصل والشام لإرضاء المغول الكل استسلم، إلا هذه المدينة التي بدت كجزيرة معزولة وسط محيطٍ من الذل، لكنها كانت تنبض بعزيمة رجل وإيمان شعبه.
حصار دامٍ كالجحيم
في جمادى الثاني عام 656 هـ، وبعد أشهر قليلة من دمار بغداد، أطبق المغول على ميافارقين بقيادة أشموط ابن هولاكو كان جيشهم كالجراد، يحيط بالمدينة من كل صوب، ويقذف أسوارها بالمنجنيقات بلا هوادة امتد الحصار ثمانية عشر شهرًا كاملة أو يزيد، حتى غدت الحياة داخل المدينة جحيمًا لا يطاق.
انقطعت الإمدادات، وجاع الناس جوعًا لم يعرف التاريخ مثله أكلوا جلود النعال، ثم الكلاب والقطط، وحين لم يبقَ شيء، أكل بعضهم لحوم الموتى، ومع ذلك ظل الكامل محمد رابط الجأش، يقود رجاله في هجماتٍ خاطفة تزرع الرعب في صفوف المغول، ثم يعود محمولاً على صبره وإيمانه.
شجاعة لا تنكسر
أدرك المغول أن قوتهم العسكرية وحدها لا تكفي لإخضاع المدينة، فبنوا سورًا خارجيًا يطوّقها، فأصبحت سجينة بين جدارينـ ومع ذلك، لم يفقد الكامل إرادته، كان أسدًا يزأر في وجه عدو لا يعرف الرحمة، ظل يقاتل حتى انهكت المدينة، ولم يبق من سكانها سوى بضع عشرات يتنفسون تحت الأنقاض، أجسادهم أنهكها الجوع وأرواحهم أحرقتها الفاجعة.
سقوط مشرف ونهاية بطولية
وحين اقتحمت جيوش المغول أسوار ميافارقين، أُسر الكامل محمد وأُحضر أمام هولاكو، كان شامخًا كأنه لم يعرف جوعًا ولا حصارًا عرضوا عليه الخضوع، فبصق في وجه الغازي وشتمه علنًا، فكانت كلماته الأخيرة صفعةً على جبين الطغيان أمر هولاكو بقطع رأسه، فحُمل على رمح، وطيف به بين حلب ودمشق، ثم عُلّق على باب الفراديس ليكون عبرةً لغيره، لكنه لم يكن عبرة للضعف، بل رمزًا للشرف والكرامة.
قد تكون ميافارقين قد سقطت، لكن سقوطها كان مرفوع الرأس، لم يهزم الكامل محمد بالسيف، بل انتصر بالموقف، حين أثبت أن الكرامة قد تكون أثمن من الحياة، وبينما انحنى الملوك والأمراء، كتب رجل واحد من مدينة صغيرة ملحمة صمودٍ خالدة، تظل شاهدة على أن التاريخ لا يخلّد من عاش طويلًا، بل من قاوم حتى النهاية.



