تاريخ ومزارات

قتيبة بن مسلم من البصرة إلى الصين حكاية قائد صنع المجد بحد السيف

في زمن الدولة الاموية ظهر رجل لم يستند إلى نسب عريق يفتح له الابواب، ولم يعتمد على سلطان يمهد له الطريق، لكنه امتلك قلبا صلبا وعزيمة لا تعرف التراجع، ذلك هو قتيبة بن مسلم الباهلي ابو حفص، احد ابرز القادة والفاتحين في تاريخ الاسلام، رجل نقش اسمه في صفحات المجد بقوة ايمانه وصلابة شخصيته.

من هو قتيبة بن مسلم

ولد قتيبة في البصرة نحو عام 49 هـ الموافق 669 م، ونشأ في بيت جمع بين الفروسية والعلم، فتربى في بيئة تشبع فيها بروح الجهاد وطلب المعرفة، حفظ القران الكريم، وتعلم فنون القتال، واستوعب قيم الشجاعة والثبات، كان والده مسلم بن عمرو فارسا شجاعا قتل في صراع مع عبد الملك بن مروان، فحمل قتيبة عن ابيه الجرأة، واضاف اليها ذكاء عسكريا وعقلا سياسيا جعله يتقدم بثبات في ميادين الحرب والادارة.

 

شهد عام 86 هـ نقطة التحول الكبرى في حياته، حين ولاه الحجاج بن يوسف الثقفي على خراسان خلفا للمهلب بن ابي صفرة، وصل قتيبة إلى مرو عاصمة الاقليم، فجمع الجند والناس وخطب فيهم خطبة قوية، تلا عليهم قوله تعالى هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ثم دعاهم إلى الجهاد والصبر، وبشرهم بنصر الله وغنائم الدنيا والاخرة، ومن هناك بدأ زحفه الكبير، فعبر نهر جيحون نحو بلاد ما وراء النهر حيث واجه حصونا منيعة وملوكا اقوياء واقواما اشداء.

 

انطلق قتيبة بحملات سريعة ومنظمة، فاستعاد في عامه الاول الطالقان وطخارستان والصغانيان، وكسب ولاء امراء بلخ، وصالح بعض الملوك، وكلف اخاه صالح بفتح مناطق في فرغانة، ولم يعرف طريقه الهزيمة، بل تقدم بخطى ثابتة يعززها حسن التدبير وقوة القرار.

 

توجه بعد ذلك إلى بخارى ذات الحصون الشديدة، فبدأ بفتح بيكند، حاصرها شهرين وسط مقاومة قوية، حتى دعا الحجاج الناس في المساجد إلى الدعاء له، وبعد قتال مرير دخلها المسلمون وغنموا اموالا كثيرة، لكن اهلها نقضوا العهد، فعاد اليهم قتيبة وفرض عليهم العقاب، ثم واصل حملاته صيفا، ويعود شتاء إلى مرو يعيد ترتيب صفوفه، حتى فتح بخارى نفسها عام 90 هـ بعد معارك عنيفة.

 

انتقل بعدها إلى سمرقند درة الصغد، فصالح ملكها طرخون اولا، لكنه نقض العهد، فجهز قتيبة جيشا كبيرا، وقاد اخوته عبد الرحمن وصالح جانب العمليات، حاصر المدينة، نصب المنجنيقات، فتح ثغرات في الاسوار، وتصدى لهجمات الاتراك، ثم فرض صلحا على جزية كبيرة، ودخل المدينة، ازال الاصنام، وبنى مسجدا عظيما اعلن به دخول الاسلام إلى قلب اسيا الوسطى.

 

واصل فتوحاته نحو الشاش وفرغانة حتى وصل إلى كاشغر على حدود الصين، قاد عشرين الف مقاتل، وخاض معارك قوية قرب خجندة، وطلب دعما من الحجاج فارسل له تعزيزات من العراق، حتى بلغ تخوم الصين، فاشاع الرعب في نفوس قادتها، واقسم انه لن يعود حتى يطأ ارضها او يدخل ملوكها في الاسلام او يأخذ منهم الجزية، ارسل رسله إلى الامبراطور يحملون رسالته، فاختار الامبراطور تفادي الحرب، وارسال صحن من ذهب مملوء بتراب ارضه ليطأه قتيبة رمزا لدخوله، مع هدايا من الذهب والحرير وعدد من ابناء النبلاء علامة على الخضوع، وفرض جزية كبيرة، فقبل قتيبة ذلك وحقق مقصده دون مواجهة مباشرة.

 

لكن الايام حملت له نهاية مؤلمة، توفي الحجاج عام 95 هـ، فحزن قتيبة حزنا شديدا، ثم تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة عام 96 هـ، وكانت بينهما خصومة قديمة، شعر قتيبة بالخطر، فحاول التمرد في فرغانة، وجمع جنوده يذكرهم بانتصاراته وعدله، لكنهم رفضوا الخروج على الخليفة، فغضب عليهم واشتد في كلامه، فثاروا عليه بقيادة وكيع بن ابي سود، وهاجموا معسكره، وقتلوه مع احد عشر من اخوته وابنائه في ذي الحجة عام 96 هـ، وكان عمره يقارب ثمان واربعين سنة.

 

غادر قتيبة الدنيا، لكنه ترك اثرا لا يمحى، فقد فتح ابواب الاسلام في اقاصي الشرق، ودخل على يديه خلق كثير في الدين، واوصل راية التوحيد إلى حدود لم تبلغها من قبل، ذكره المؤرخون مثل ابن كثير قائدا شجاعا حكيما فتح اقاليم واسعة، ورأوا انه اخطأ حين حاول خلع الطاعة، ومع ذلك تبقى انجازاته العسكرية الكبيرة شاهدة على عظمته، والله غفور رحيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى