مذبحة القلعة.. ماذا فعل محمد على باشا بالمماليك؟

أميرة جادو
تحل في الأول من مارس ذكرى مذبحة القلعة التي دبرها محمد علي باشا عام 1811م، في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث، فقد أعد محمد علي احتفالًا كبيرًا بمناسبة تولية نجله أحمد طوسون باشا قيادة الحملة العسكرية المتجهة إلى الحجاز لمواجهة حركة محمد بن عبد الوهاب في نجد، ووجه الدعوة إلى كبار رجال الدولة وأعيانها وكبار القادة العسكريين والمدنيين، إضافة إلى زعماء المماليك، واستجاب للدعوة 470 مملوكًا، وتوافدوا إلى القلعة مرتدين أفخم الثياب وأبهى الزينة.
بداية التخطيط لمذبحة المماليك
عقب تقليد الأمير طوسون خلعة القيادة، تحرك المدعوون خلف الموكب في أجواء احتفالية، غير أن المماليك استدرجوا إلى ممر باب العزب، وهناك انقلب المشهد فجأة؛ إذ أطلق الجنود وابلاً كثيفًا من الرصاص عليهم.
سادت الفوضى وحاول المماليك النجاة بأنفسهم، لكن معظمهم سقط قتيلًا بالرصاص، حتى غص فناء القلعة بالجثث، ومن أفلت من النيران لقي مصرعه ذبحًا على أيدي الجنود.
ولم ينجو سوى مملوك واحد يدعى «أمين بك»، تمكن من الفرار إلى بلاد الشام. وبعد انتشار الخبر، عمت الفوضى أرجاء البلاد ثلاثة أيام، قتل خلالها نحو ألف مملوك، وتعرض ما يقارب خمسمائة منزل للنهب، ولم تهدأ الأوضاع إلا بعدما نزل محمد علي بنفسه إلى الشوارع وأعاد الانضباط إلى جنوده.
جدل تاريخي واسع
تباينت المواقف تجاه مذبحة القلعة؛ فهناك من اعتبرها واقعة غدر لطخت سمعة محمد علي ووصمة سوداء في سجل التاريخ، بينما رأى آخرون أنها بثت الرعب في نفوس المصريين لسنوات طويلة.
وفي المقابل، ذهب فريق إلى أنها كانت خطوة أنهت خطر المماليك ومهّدت لاستقرار الحكم، فيما رأى البعض أن محمد علي لم يجد بدًا من ذلك دفاعًا عن سلطته في مواجهة محاولات المماليك المتكررة للسيطرة على الحكم.
ويشير محمد فريد في كتابه «البهجة التوفيقية في تاريخ مؤسس العائلة الخديوية» إلى أن محمد علي عزم على التخلص من أمراء المماليك وأتباعهم نهائيًا لدرء خطرهم.
كما يوضح عبد الرحمن الرافعي أن الخطة نفذت بسرية تامة، إذ دعا محمد علي أعيان المماليك إلى الاحتفال بتنصيب ابنه طوسون قائدًا للحملة إلى الحجاز، فحضر المدعوون في أبهى هيئة، وبلغ عددهم قرابة عشرة آلاف شخص، من بينهم 470 من المماليك وأتباعهم وكبار القوم وممثلي الطوائف المختلفة، وتناولوا الطعام واستمعوا إلى الغناء، حتى أُعلن تحرك الموكب، وارتفعت أصوات الموسيقى وقرع الطبول، وبدأ النزول من القلعة باتجاه باب العزب.
لحظات الحسم
ويضيف الرافعي أن الجنود ما إن بلغوا باب العزب حتى أغلق الباب الكبير بإحكام من الخارج في وجه المماليك، بينما تسلق الجنود المرتفعات المحيطة وأمطروا خصومهم بالرصاص من كل جانب.
وحاول المماليك الهرب، غير أن البنادق كانت تحصدهم بلا هوادة، حتى تراكمت الجثث في بعض المواضع إلى ارتفاعات كبيرة. وتمكن عدد قليل منهم من الوصول إلى طوسون باشا وهو على صهوة جواده ينتظر انتهاء المشهد، فألقوا بأنفسهم عند قدميه طلبًا للأمان، لكنه ظل ثابتًا دون أن يتدخل، ليجهز عليهم الجنود في الحال.
وبقيت مذبحة القلعة واحدة من أبرز الأحداث المفصلية في تاريخ مصر، بين من يراها ضرورة سياسية فرضتها الظروف، ومن يعدها واحدة من أكثر الوقائع دموية وإثارة للجدل في العصر الحديث.



