الجلوة البدوية في سيناء: عرف قبلي لحفظ الدم وتهدئة الثأر
أسماء صبحي – رغم مظاهر الحداثة التي بدأت تمتد إلى بعض مناطق شبه جزيرة سيناء. لا تزال القبائل البدوية هناك متمسكة بمجموعة من العادات والتقاليد التي تنظم حياتهم وتحكم العلاقات بينهم. ومن أبرز هذه العادات وأكثرها حساسية وتعقيدًا هي “الجلوة البدوية”.
فهي ليست مجرد تنقل جغرافي، بل طقس قبلي ينفذ عند وقوع جريمة قتل أو حادثة تستوجب القصاص. بهدف تهدئة النفوس ومنع وقوع المزيد من الدماء في ظل مجتمع تحكمه الأعراف أكثر من القوانين الرسمية في مثل هذه الحالات.
ما هي الجلوة البدوية؟
الجلوة عادة قبلية تقضي بأن تجبر عائلة القاتل أو المعتدي على ترك منطقتهم والانتقال منها إلى منطقة أخرى لفترة محددة. تكون غالبًا ثلاث سنوات أو أكثر وفقًا لما يحدده حكم “الرباعة” أو “القضاء العرفي”.
ولا تشمل الجلوة الجاني فقط، بل تمتد لتشمل أقاربه من الدرجة الأولى وأحيانًا الثانية. وذلك لمنع حدوث أي أعمال انتقامية أو “ثأر دم” وحتى تهدأ النفوس.
أصول الجلوة وتاريخها
تعود أصول الجلوة إلى عهود سابقة على قيام الدولة الحديثة. حيث لم تكن هناك سلطة مركزية فاعلة في مناطق البادية وكانت النزاعات تحل من خلال نظام “القضاء العرفي” الذي تشرف عليه قيادات قبلية مشهود لها بالحكمة والحياد.
ويعتقد أن هذه العادة متجذرة في ثقافات البدو الممتدة من سيناء جنوبًا إلى بادية الشام شرقًا. حيث يشترك أهل تلك المناطق في تشابه اجتماعي وثقافي كبير.
كيف تطبق؟
يشرف على الجلوة “الوجيه” أو “الشيخ العرفي” الذي يصدر قرارًا مُلزِمًا للطرف الجاني. ويحدد تفاصيل الجلوة من حيث المدة والمسافة التي يجب أن تبعدها العائلة عن أهل القتيل (أحيانًا لا تقل عن 40 كم). والمكان البديل الذي سوف يستضيف العائلة المجلاة.
وغالبًا ما تتكفل قبيلة محايدة بإيواء أهل الجاني وتوفير الحماية لهم خلال فترة الجلوة حتى تنتهي المدة ويحدث “الصلح” الرسمي.
أبعاد اجتماعية وإنسانية
ورغم ما قد يبدو من قسوة في هذه العادة، إلا أن الجلوة تنطوي على عدة أهداف نبيلة:
- حماية الأرواح: بمنع الاحتكاك بين الطرفين، وتفادي الانتقام.
- الضغط على الجاني: حتى يسرع في الصلح ويدفع “الدية” لأهل القتيل.
- تهدئة الأوضاع: حتى لا تنتقل العداوة للأجيال القادمة ويعم السلام الاجتماعي.
لكن الجلوة لا تخلو من الانتقادات خاصة حين تطبق على نطاق أوسع من اللازم. فبعض الحالات تشمل إخراج عشرات الأسر من منازلها وهو ما اعتبره البعض تجاوزًا لحق الأبرياء.
وفي هذا الإطار، يقول الدكتور محمود خلف الله، الباحث في علم الاجتماع القبلي بجامعة قناة السويس، أن عادة الجلوة البدوية تعكس سلوكًا اجتماعيًا راسخًا في البنية القبلية بسيناء. وتؤدي دورًا مؤقتًا في حفظ الأمن الاجتماعي لكنها بحاجة إلى تنظيم قانوني يضمن عدم التوسع فيها على حساب حقوق الأفراد.
وأضاف: “بعض حالات الجلوة تحولت من وسيلة لفض النزاع إلى أداة ضغط اجتماعي ترهق الأبرياء من أقارب الجاني وتفرض عليهم عقابًا لم يرتكبوه”.
الجهود الرسمية لتقنين الجلوة البدوية
حاولت مؤسسات الدولة في السنوات الأخيرة، خاصةً بعد استقرار الأوضاع الأمنية في شمال سيناء التدخل لتنظيم بعض العادات العرفية ومن بينها الجلوة. وذلك من خلال التنسيق مع مشايخ القبائل والقيادات الشعبية.
ففي عام 2022، ناقشت لجنة المصالحات في محافظة شمال سيناء برئاسة المحافظ عددًا من القضايا المتعلقة بالجلوة. وأوصت بضرورة تقليل عدد الأفراد الذين تشملهم العقوبة وتقصير مدتها على أن تقتصر على الجاني المباشر.



