عادات و تقاليد

الديوانيات الرمضانية.. حين يتحول الليل إلى مساحة حوار وتواصل اجتماعي

أسماء صبحي – في عدد من دول الخليج العربي تبرز “الديوانيات الرمضانية” كواحدة من أبرز العادات الاجتماعية التي تمنح ليالي الشهر الكريم طابعًا خاصًا. فبعد صلاة التراويح تتجه الأنظار إلى المجالس المفتوحة في البيوت، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء والجيران لتبادل الأحاديث وتناول القهوة العربية والحلويات التقليدية. في أجواء يغلب عليها الود والتقارب.

لا تقتصر الديوانية على كونها لقاءً عابرًا، بل تعد مساحة اجتماعية راسخة تعكس ثقافة المجتمع الخليجي. وتزداد أهميتها في رمضان لما يحمله الشهر من روحانية وحرص على صلة الرحم وتعزيز الروابط الاجتماعية.

أصول الديوانيات الرمضانية 

ترتبط الديوانيات بتاريخ طويل في دول مثل الكويت وقطر والبحرين والسعودية. حيث كانت المجالس قديمًا مكانًا للتشاور في شؤون القبيلة أو الحي، ومناقشة القضايا العامة، واستقبال الضيوف والمسافرين. ومع مرور الزمن تطورت لتصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، قبل أن تكتسب في رمضان بعدًا اجتماعيًا أعمق.

خلال الشهر الكريم، تتحول هذه المجالس إلى منصات للحوار المفتوح. حيث تمتزج النقاشات الاجتماعية بالسياسية والاقتصادية في أجواء يسودها الاحترام المتبادل. كما تقام أحيانًا أمسيات ثقافية أو دينية تتضمن محاضرات قصيرة أو مسابقات رمضانية تضيف طابعًا تفاعليًا للمجلس.

مساحة للتواصل بين الأجيال

من أبرز ما يميز الديوانيات قدرتها على جمع مختلف الفئات العمرية في مكان واحد. فالكبار يتبادلون الذكريات والخبرات، بينما ينصت الشباب إلى قصص الماضي ويتفاعلون مع القضايا المعاصرة. ويعزز هذا التداخل بين الأجيال نقل القيم والتقاليد ويحافظ على الهوية الثقافية للمجتمع.

كما تعد الديوانية فرصة لتوسيع دوائر العلاقات الاجتماعية. إذ يستقبل صاحب المجلس ضيوفًا من خلفيات متنوعة، مما يعزز التعارف ويقوي أواصر المجتمع المحلي.

بين الطابع التقليدي وروح العصر

رغم تمسكها بجذورها التراثية، لم تكن الديوانيات بمنأى عن التطور. فقد دخلت وسائل التكنولوجيا الحديثة إلى أجوائها، سواء من خلال بث المباريات الرياضية، أو مناقشة القضايا المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، يبقى جوهر الديوانيات الرمضانية قائمًا على الحضور المباشر والتفاعل الإنساني وجهًا لوجه، وهو ما يمنحها قيمة خاصة في زمن التواصل الرقمي.

كما شهدت بعض المجتمعات توسعًا في مفهوم الديوانية، فظهرت ديوانيات نسائية تؤدي الدور ذاته في تعزيز التواصل بين السيدات. إضافة إلى مبادرات شبابية تنظم لقاءات رمضانية بطابع ثقافي أو تطوعي.

رمز للتلاحم في زمن التغيرات

في ظل التحولات الاجتماعية السريعة التي يشهدها العالم العربي، تظل الديوانيات الرمضانية شاهدًا على قدرة المجتمعات على الحفاظ على تقاليدها مع التكيف مع العصر. فهي ليست مجرد مجلس للحديث، بل مساحة للحوار، ومنبر للتعبير، وجسر يربط الماضي بالحاضر.

ومع كل ليلة رمضانية، تتجدد هذه العادة لتؤكد أن روح الشهر الكريم لا تكتمل فقط بالصيام والعبادة. بل أيضًا بالتواصل الإنساني الذي يعزز قيم المحبة والتراحم والتكافل داخل المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى