حصن الشارقة: حارس الذاكرة ومهد الحكم في قلب الإمارة
أسماء صبحي – في قلب مدينة الشارقة القديمة، وتحديدًا وسط السوق العتيق. ينتصب حصن الشارقة شامخًا كأحد أبرز رموز التاريخ والتراث الإماراتي. ولم يكن الحصن مجرد بناء دفاعي، بل كان مقرًا لحكم الأسرة القاسمية ومركزًا لحماية المدينة من الغزوات. قبل أن يتحول اليوم إلى متحف يجسد مراحل تحوّل الإمارة من مجتمع بسيط إلى مدينة عصرية متقدمة. ويحمل الحصن في جدرانه أسرار الماضي، ويمنح الزائرين تجربة غنية بالتاريخ والثقافة.
تاريخ بناء حصن الشارقة
شيد الحصن عام 1823 على يد الشيخ سلطان بن صقر القاسمي الأول، ليكون مقرًّا للحاكم ومركزًا للإدارة والدفاع عن المدينة. وبني باستخدام المواد التقليدية مثل الصخور المرجانية وجص البحر وسعف النخيل. ما يجعله مثالًا فريدًا للعمارة المحلية التي كانت تعتمد على الموارد المتاحة في البيئة الصحراوية والساحلية.
مر الحصن بعدة مراحل من الترميم، لكنه بقي مركزًا للحكم حتى عام 1965، عندما تم بناء قصر جديد للحاكم خارج حدود المدينة القديمة. ثم تحول إلى موقع مهجور إلى أن قررت حكومة الشارقة ترميمه في التسعينيات وإعادة افتتاحه كمتحف عام 1997.
مكونات الحصن
يتكوّن الحصن من ساحة داخلية واسعة، تحيط بها أبراج دفاعية وسكنية. بالإضافة إلى غرف ومخازن ومساحات استخدمت كزنازين، وقاعات اجتماعات، ومرافق إدارية. ومن أبرز هذه المكونات:
- برج المدفعية: كان يستخدم لمراقبة المدينة والدفاع عنها.
- سجن الحصن: وهو واحد من أوائل السجون التي بنيت في الشارقة. ويعرض اليوم أدوات العقاب القديمة وطرق التحقيق التقليدية.
- مجلس الحاكم: القاعة التي كان يجتمع فيها الحاكم مع كبار القوم لاتخاذ القرارات الهامة.
- الأسلحة التقليدية: يعرض المتحف مجموعة من البنادق والسيوف والرماح التي كانت تُستخدم آنذاك.
- الزي الإماراتي القديم: يقدم المتحف نماذج من الأزياء المحلية التي كان يرتديها الرجال والنساء في القرن التاسع عشر.
أهمية حصن الشارقة الثقافية والسياحية
الحصن ليس مجرد أثر معماري، بل هو مرآة لهوية الإمارة، وقد أصبح مركزًا تعليميًا وثقافيًا يستقطب الزوار من داخل الدولة وخارجها. فكل زاوية فيه تحكي قصة، وكل قطعة معروضة توثق لحظة من لحظات التأسيس.
ويعد الحصن جزءًا أساسيًا من مشروع قلب الشارقة الذي أطلقته هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير “شروق”. بهدف إعادة إحياء منطقة الشارقة التاريخية، وتوفير تجربة سياحية متكاملة تمزج بين الأصالة والحداثة.
ويقول الدكتور سالم الطنيجي، الباحث في شؤون التراث الإماراتي، إن حصن الشارقة ليس مجرد مبنى قديم، بل هو شهادة حيّة على تطور المجتمع الإماراتي قبل ظهور النفط. ومن خلاله يمكننا فهم العلاقات القبلية، وأسلوب الحكم، وأهمية البحر والتجارة في تشكيل الحياة اليومية. كما أن الحفاظ على هذا الحصن هو حفاظ على هوية الشارقة، ورسالة للأجيال القادمة بأن جذورنا ضاربة في عمق الأرض.
الحفاظ والترميم
قامت هيئة الشارقة للمتاحف، بالتعاون مع بلدية الشارقة، بعمليات ترميم دقيقة للحصن، استمرت عدة سنوات. وقد تمت الاستعانة بمواد بناء تقليدية لضمان الحفاظ على الهوية الأصلية للحصن. كما زود الحصن بأنظمة حماية بيئية داخلية تضمن الحفاظ على المقتنيات من التلف بفعل الرطوبة أو الحرارة.



