تاريخ ومزارات

عبد الكريم الخطابي.. زعيم قبيلة الريف الذي دوى صوته في العالم

أسماء صبحي – يظل التاريخ المغربي مليئًا بالشخصيات القبلية التي تركت بصمات لا تنسى في مسيرة الكفاح الوطني. ومن أبرز هذه الشخصيات القائد عبد الكريم الخطابي، الذي ارتبط اسمه بقبيلة الريف شمال المغرب. وقاد ثورة الريف الشهيرة في مطلع القرن العشرين ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي، ليصبح رمزًا للمقاومة القبلية والوطنية معًا.

جذور عبد الكريم الخطابي القبلية

ولد محمد بن عبد الكريم الخطابي عام 1882 في منطقة أجدير بالريف المغربي. وينتمي إلى أسرة عريقة من قبيلة بني ورياغل، إحدى القبائل الكبرى في إقليم الريف. نشأ في بيئة قبلية محافظة تمزج بين الأصالة الأمازيغية والتقاليد الإسلامية. مما ساعد في تكوين شخصيته القيادية منذ الصغر. وتلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب القرآنية ثم التحق لاحقًا بجامعة القرويين بفاس. قبل أن يسافر إلى مدينة مليلية ليدرس في المدارس الإسبانية هناك.

الدور القبلي والسياسي

استطاع الخطابي أن يوظف مكانته القبلية كابن زعيم محلي، فجمع القبائل تحت راية واحدة لمواجهة الاحتلال. ففي عام 1921 قاد معركة أنوال الشهيرة، حيث انتصرت قبائل الريف بقيادته على القوات الإسبانية في مواجهة غير متكافئة. وهذا الانتصار لم يكن عسكريًا فقط، بل كان دليلًا على قدرة القبيلة حين تتوحد على تغيير مجرى الأحداث.

تأسيس جمهورية الريف

في خطوة تعد سابقة في المنطقة العربية والمغاربية، أعلن عبد الكريم الخطابي عام 1923 عن تأسيس جمهورية الريف. والتي جمعت القبائل الريفية تحت نظام سياسي منظم قائم على مبادئ الحكم الذاتي والعدالة الاجتماعية. وقد شكل هذا الإعلان صدمة للاستعمار الأوروبي، إذ أبرز قدرة القبيلة على التحول إلى كيان سياسي حديث.

المواجهة مع الاستعمار

واجه الخطابي تحالفًا إسبانيًا فرنسيًا ضخمًا عام 1925 حيث استعانت القوى الاستعمارية بالأسلحة الكيميائية لقمع ثورة الريف وهو ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا من أبناء القبائل. ورغم المقاومة الشرسة، اضطر الخطابي للاستسلام في 1926 بعد معارك طاحنة. ليتم نفيه لاحقًا إلى جزيرة لارينيون في المحيط الهندي.

المنفى والإرث التاريخي

لم يتوقف تأثير الخطابي عند حدود الريف، بل امتد ليصبح رمزًا عالميًا للمقاومة. حيث ألهم حركات التحرر في العالم العربي والإسلامي بل وحتى في آسيا وأفريقيا. وفي عام 1947 انتقل إلى القاهرة. حيث عاش حتى وفاته عام 1963 محاطًا بتقدير قادة حركات التحرر، ومن بينهم جمال عبد الناصر وهواري بومدين.

يمثل عبد الكريم الخطابي نموذجًا للشخصية القبلية التي تجاوزت حدودها المحلية لتصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية والدولية. فقد جسد قيم الشجاعة والوحدة والعدل التي لطالما ارتبطت بالقبائل المغربية. وأثبت أن القبيلة ليست مجرد كيان اجتماعي، بل يمكن أن تكون رافعة سياسية وحضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى