الدبكة اللبنانية.. رقصة الفرح التي لا تغيب عن الذاكرة
دعاء رحيل
تعد الدبكة من أبرز وأشهر الرقصات الشعبية في لبنان، وتحمل معها إرثا ثقافيا غنيا وتاريخا عريقا. بدأت هذه الرقصة بالتبلور والتطور منذ عام 1957، مع تنظيم أول مهرجان للدبكة الشعبية في مدينة بعلبك الواقعة في منطقة البقاع. ومنذ ذلك الحين، انتشرت الدبكة بشكل واسع داخل لبنان، وامتد تأثيرها ليصل إلى دول الجوار، وحتى إلى المسارح العالمية، وأصبحت هناك فرق لبنانية متخصصة في تأديتها داخل وخارج البلاد.
تتميز الدبكة اللبنانية بطابعها الحماسي والمبهج، فهي رقصة جماعية تقام في المناسبات المختلفة مثل الأعراس والاحتفالات والأعياد الوطنية، ويجتمع الناس لأدائها في الساحات العامة أو المسارح أو القرى والمدن. وبفضل ارتباطها العميق بالفلكلور والتراث الشعبي، أصبحت الدبكة أحد الرموز الثقافية الراسخة في هوية لبنان.
أداء الدبكة اللبنانية وأسلوبها الفريد
تنفرد الدبكة اللبنانية بأسلوبها المميز وتنوعها حسب اللحن أو الأغنية المرافقة. تؤدى هذه الرقصة من خلال صف من الرجال والنساء، مصطفين بشكل دائري أو على هيئة قوس، ويقود الصف أول الراقصين الذي يبرز مهاراته بحركات إيقاعية متناغمة. يتم ضرب الأرجل بقوة على الأرض، مع تناغم جماعي يعكس الانسجام بين أفراد المجموعة.
ويمكن أن تكون الرقصة مختلطة أو مخصصة لكل جنس على حدة، فيما يتفاعل الجمهور بالغناء والتصفيق مع العازفين الذين يؤدون ألحانهم باستخدام الآلات الموسيقية التقليدية. كلما زاد عدد المشاركين في الرقصة، زاد الحماس والجمال في المشهد العام، مما يخلق حالة من الفرح والانتماء بين أفراد المجتمع.
أنواع الدبكة اللبنانية وتنوعها الجغرافي
تتنوع الدبكة اللبنانية بعدة أشكال، ويختلف أداؤها من منطقة لأخرى بحسب طبيعة السكان والأنغام المحلية. من أبرز أنواعها دبكة الدلعونة، وهي الأكثر انتشارا في محافظتي جبل لبنان والبقاع، وتتميز بإيقاعها المتوسط وطابعها الشعبي المحبب.
هناك أيضا دبكة الهوارة ذات الإيقاع السريع، ودبكة الغزيل، ودبكة البداوية التي يعود أصلها إلى القبائل البدوية القادمة من نجد. كما توجد دبكة السويلي، والحدو، ودبكة الكرادية أو الطيارة التي تتميز بسرعتها في الأداء.
تنتشر أيضا دبكة الدحية بين القبائل البدوية، وتشتهر دبكة ظريف الطول بطابعها الغنائي الذي يمدح العروس أو العريس خلال حفلات الزواج، وتعبر عن مشاعر الفخر والانتماء بطريقة فنية أصيلة، مما يجعلها من أبرز أنواع الدبكات المخصصة للمناسبات السعيدة.
الزي التقليدي وآلات الموسيقى المصاحبة للدبكة
يعكس اللباس التقليدي للدبكة الهوية التراثية اللبنانية، حيث يرتدي الرجال السروال الواسع والقميص المطرز، إلى جانب الجاكيت التقليدي والكوفية أو الطربوش. أما في المناطق البدوية، فيظهر الرجال بالدشداش والعباءة، بينما تختار النساء فساتين طويلة سوداء أو ملونة، تغطي كامل الجسد، وتكون مطرزة بالخيوط الذهبية التي ترمز للورود والنباتات، ويختلف التطريز من منطقة لأخرى بحسب العادات المحلية.
ترافق الدبكة موسيقى تنبع من آلات تقليدية مثل المجوز، الناي، الطبل، الكاتم، الرق، الجف، المزهر، والمنجيرة، وغيرها من الآلات التي تضفي إيقاعا مميزا على العروض. وتعتمد الدبكة على إيقاعات الأغاني التراثية المعروفة مثل الميجانا، الدلعونة، الروزانا، والهوارة، مما يضفي على الأداء أجواء من البهجة والارتباط العاطفي بالموروث الشعبي.
من ساحة القرية إلى مسارح العالم
تُعد الدبكة أكثر من مجرد رقصة شعبية، فهي وسيلة للتعبير عن الفرح، والانتماء، والاعتزاز بالهوية اللبنانية. وقد انتقلت من ساحات القرى والمدن إلى خشبات المسارح العالمية، حيث تقدم الفرق اللبنانية عروضاً مبهرة تعكس عمق التراث وروعة الفن الشعبي.
ولم يقتصر دور الدبكة على المناسبات الاحتفالية فحسب، بل أصبحت أيضا جزءا من العروض الوطنية والأنشطة المدرسية والمهرجانات الثقافية، مما يجعلها حاضرة في وجدان الشعب اللبناني على مدار العام. ومع تطور الزمن، احتفظت الدبكة بجوهرها الأصيل، لكنها أيضا تأثرت بأساليب الأداء الحديثة التي أضافت إليها لمسات فنية وتقنية جديدة.
يبقى حضور الدبكة اللبنانية دليلا حيا على ارتباط الإنسان بأرضه وثقافته، حيث تمثل الرقصة جسرا بين الأجيال، ومرآة تنعكس عليها ذاكرة الوطن بكل ما فيها من حب، وتاريخ، وفخر.



