تاريخ ومزارات

خيزران والعرش المسموم.. قصة امرأة غيرت مجرى الخلافة العباسية

في قلب التاريخ الإسلامي، ظهرت نساء نحتت أسماءهن بين سطور الحكم والسياسة، ومن أبرزهن الخيزران بنت عطاء، زوجة الخليفة المهدي وأم اثنين من أعظم خلفاء بني العباس، موسى الهادي وهارون الرشيد، حيث حجزت مكانها كأقوى نساء عصرها، ولقبها البعض بأم الخلافة، لأنها صنعت من القصر العباسي مسرحا للقرارات الكبرى، وكتبت فصلا دراميا امتزج فيه المجد بالعنف، والحنان بالمكيدة.

من الجارية إلى سيدة القصر

تنوعت الروايات حول أصل الخيزران، فمنهم من نسبها إلى اليمن، ومنهم من قال إنها مغربية الأصل، بدأت حياتها كجارية في قصر الخليفة أبو جعفر المنصور، ولم يطل بها المقام حتى جذب جمالها وذكاؤها انتباه الأمير المهدي، الذي أحبها وتزوجها بعد أن صار خليفة للمسلمين، حيث تحولت الخيزران من جارية إلى سيدة القصر الأولى، وامتلكت من الثقافة والبلاغة ما جعلها محط احترام العلماء والشعراء، وكانت تحرص على مجلس العلم وتحب القرآن والحديث، حيث أنجبت ولدين هما موسى الهادي وهارون الرشيد، وصارت بذلك مركز الثقل في الأسرة العباسية.

سطوة سياسية غير مسبوقة

مع تولي المهدي الخلافة، لم تكن الخيزران زوجة تقف في الظل، بل شاركته الرأي والقرار، ونجحت بدهائها في إقناعه بتعيين ولديها وريثين للخلافة، وعندما مات المهدي، أصبح ابنها موسى الهادي الخليفة، لكنها لم تتراجع عن دورها، واستمرت تتدخل في الحكم، الأمر الذي قاد إلى صدام حتمي بينها وبين ابنها الحاكم الجديد.

خلاف الأم وابنها الخليفة

اشتهر موسى الهادي بشخصية قوية وعقل راجح، ورفض تماما أن تواصل والدته إدارة شؤون الدولة، إذ رأى في تدخلها خطرا على استقرار الحكم، وروى الطبري أن الهادي أمرها بالتفرغ للحياة داخل القصر، وقطع اجتماعاتها مع رجال الدولة، قائلا لها إن الحكم ليس من شأن النساء، رفضت الخيزران التراجع، وزادت من تحركاتها، خاصة بعد أن لمح نية الهادي بإبعاد هارون الرشيد عن ولاية العهد، فزاد الصراع بينهما حدة.

مأساة داخل القصر العباسي

تحول التوتر بين الهادي ووالدته إلى حالة من المكائد والصراع المكتوم. ذكر الطبري أن الهادي حاول أن يتخلص من والدته بتقديم طعام مسموم لها، لكنها شكت في الأمر وقدّمته لكلبها فمات، وعندما سألها عن رأيها في الطعام أجابته بتهكم، فردّ قائلا إنه كان سيريحه لو أنها أكلت منه. في المقابل، شعرت الخيزران أن نفوذها يتلاشى، وأن وجود ابنها يهدد مستقبل هارون، فقررت حسم المعركة، وتعاونت مع بعض جواري القصر، وتمكنت من دس السم لابنها أثناء مرضه، فمات في ربيع الأول سنة 170 للهجرة.

وتولى هارون الرشيد الخلافة بعد وفاة أخيه، فعاد للمرأة الحديدية مجدها ونفوذها، وبقيت تمارس سلطتها لعدة سنوات حتى ماتت بعده بعامين ماتت الخيزران، لكن قصتها بقيت حية، يتداولها المؤرخون كأحد أكثر الفصول إثارة في تاريخ الخلافة العباسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى