المزيد

كيف غير الملح والسكر والشاي ملامح العالم

عبر فصول التاريخ، لم تقتصر الحروب على الأرض والذهب والسلاح، بل اشتعلت نيرانها أحيانا بسبب سلع يومية بسيطة كالشاي والسكر والملح هذه المواد، التي تدخل كل بيت، حملت في لحظات حاسمة أوزان السياسة والاقتصاد وأثرت على مصير شعوب وقارات كاملة، حتى تحولت إلى رموز لصراع القوة والسيطرة.

الشاي يشعل أولى شرارات الاستقلال الأمريكي

عقب انتصار بريطانيا في حرب السنوات السبع ضد فرنسا ما بين عامي 1756 و1763، دخلت لندن في أزمة مالية خانقة، دفعت مسؤوليها إلى فرض ضرائب جديدة على مستعمراتها في أمريكا الشمالية. وقع الاختيار على الشاي، تلك السلعة التي عشقها البريطانيون والأمريكيون على حد سواء، فكان القرار بفرض احتكار جديد لصالح شركة الهند الشرقية البريطانية ومنع التجار الأمريكيين من استيراده بأنفسهم.

غضب المستعمرون من هذا القرار، واعتبروه محاولة مباشرة لفرض الهيمنة البريطانية على حياتهم اليومية. في ديسمبر من عام 1773، اشتعلت شرارة الرفض في موانئ بوسطن ونيويورك وفيلادلفيا، وفي بوسطن تحديدا، صعد عشرات المستعمرين المتنكرين إلى سفن الشاي وألقوا أكثر من ثلاثمئة صندوق في الميناء، في الحدث الشهير الذي عرف باسم حفلة شاي بوسطن. لم تتوقف الأمور عند ذلك، بل تصاعد التوتر حتى انفجرت الحرب الثورية عام 1775، وانتهت عام 1783 باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية.

سكر البرازيل يشعل صراع الإمبراطوريات

في القرن السادس عشر، أصبح السكر واحدا من أكثر السلع تأثيرا في الاقتصاد الأوروبي، وتصدرت البرازيل مركز إنتاجه العالمي، أقامت البرتغال نظاما زراعيا متقدما في الأراضي البرازيلية، مستفيدة من التربة الغنية ومن آلاف العبيد الذين جرى جلبهم من إفريقيا للعمل في مزارع قصب السكر.

هذه الأرباح الهائلة أثارت طمع الهولنديين، وفي عام 1630، أرسلت شركة الهند الغربية الهولندية جيشا احتل منطقة بيرنامبوكو في شمال شرق البرازيل، اعتمد الهولنديون على مستعمراتهم في إفريقيا لتأمين اليد العاملة، وسعوا للهيمنة على تجارة السكر العالمي، لكن البرتغاليين لم يصمتوا، ونظم مزارعو السكر ووجهاء المنطقة مقاومة شعبية مسلحة بدأت عام 1645 واستمرت حتى 1654، قادهم خلالها رجال مثل جواو فرنانديز فييرا، ونجحوا في طرد الهولنديين وإعادة السيطرة البرتغالية على الأراضي.

الملح يفجر ثورات من الهند إلى إيطاليا

لم يكن الملح مجرد سلعة غذائية، بل أصبح رمزا للمقاومة الشعبية ضد الظلم والاحتكار. في الهند، سنت السلطات البريطانية قانونا يمنع الهنود من إنتاج الملح، رغم أنه حاجة يومية لكل أسرة، وهذا الظلم دفع المهاتما غاندي في مارس عام 1930 إلى قيادة مسيرة استمرت 240 ميلا من أحمد أباد إلى شاطئ داندي، حيث استخرج الملح من مياه البحر أمام آلاف المشاركين، في مشهد أيقوني ألهم حركة العصيان المدني في الهند، وكشف للعالم وحشية الاحتلال البريطاني.

وفي إيطاليا، تحديدا في مدينة بيروجيا عام 1540، فرض البابا بول الثالث ضريبة جديدة على الملح، متجاهلا اتفاقيات سابقة مع سكان المدينة شعر الأهالي بالإهانة، وانطلقت شرارة تمرد شعبي قاده عدد من الثوار ضد قوات البابا ورغم قمع الانتفاضة، احتفظ سكان بيروجيا بوسيلتهم الخاصة في المقاومة، إذ توقفوا عن وضع الملح في خبزهم اليومي، كنوع من الاعتراض الرمزي، وهي العادة التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا في مطبخ المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى